وبعد هذا الأصل, وبجانبه, نشأ التنوع والاختلاف والتمايز بين الناس, وهو أيضا له جذوره وبذوره في أصل الخلقة البشرية. وهكذا نجد الناس: منهم ذكر وأنثى, ومنهم مؤمن وكافر, وتقي وفاجر, ومنهم غني وفقير, وحاكم ومحكوم, ومنهم الأقارب والأباعد, ومنهم بنو فلان وبنو علان, ومنهم ومنهم ... , حتى صار التنوع والاختلاف بين الناس أصلا ثانيا قائما بنفسه. فلا هذا الفرع - أو الأصل الثاني - يلغي الأصل الأول, ولا هذا يمنع من ذاك.
المهم الآن هو أن الوحدة والتساوي بين الناس, يعتبر هو الأصل الأول الذي يؤخذ به ويُبنىَ عليه, حتى يثبت خلافه. وعلى هذا النحو بنيت أحكام الشريعة, وعلى هذا النحو يجب أن يكون الاستنباط والاجتهاد في أحكامها.
فعموم الأحكام إذًا, مُرَتَّبٌ على أصل الوحدة والتساوي بين الناس. فالناس - على العموم - أصلُهم واحد, وكرامتهم واحدة, وخصائصهم واحدة, ونقائصهم واحدة, واحتياجاتهم واحدة, وقدراتهم واحدة. فتَعَيَّنََ أن تكون شريعتهم وأحكامهم - على العموم - واحدةً أيضا.
ثم بعد ذلك, حين يختلفون وتختلف ظروفهم وأحوالهم وأفعالهم, حينئذ يكون لكل حادث حديث, ولكل متميز تمييز, ولكل ذي خصوصية تخصيص.
يقول ابن عاشور:"قررنا أن الإسلام دين الفطرة؛ فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين الناس, فالإسلام يرمي فيه إلى المساواة, وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت المواهب البشرية فيه, فالإسلام يعطي ذلك التفاوتَ حقه بمقدار ما يستحقه." (1)
ثم يقول:"ويقوم لنا من هذا: أن المساواة معتبرة من أصول الشريعة الإسلامية في نواحي الاجتماع, ولكن ذلك معلول لوجود أسبابها الحقة وانتفاء موانعها الحقة." (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام لابن عاشور ص 232.
[2] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام لابن عاشور ص 234.