على أن الشريعة الإسلامية تختلف عن التشريعات الوضعية البشرية في أن الجزاء لا يقتصر على الجزاء الدنيوي وحده, وإنما يمتدّ إلى الجزاء الأخروي أيضا عن طريق الثواب والعقاب الأخرويين؛ أما التشريعات الوضعية فإنه لا مجال فيها للجزاء الأخروي البتة؛ لأن الجهة التي صدرت عنها تلك التشريعات لا تملك من أمر الآخرة شيئا ولا تستطيع أن تضع من الجزاءات إلا ما ينفذ في الدنيا فقط, ولذا كان الجزاء فيها قاصرًا وغير ممتد.
وقد ترتب على اقتران الشريعة الإسلامية بالجزاء المزدوج (الدنيوي والأخروي) وخلو التشريعات الوضعية من هذه الميزة عدة آثار ونتائج هي:
1 -أن من شأن مزج الشريعة بين أحكام الدنيا والآخرة ضمانة كبيرة لحمل المحكومين على روح الطاعة والالتزام بالتشريع عن رضا وطواعية أملا بالمثوبة الأخروية التي لا وجود لها البتة في التشريعات الوضعية, هذا فضلا عن كونه ضمانة لإعطاء التشريع الإسلامي قوة في الردع ليست لأي قانون وضعي مهما أحكم وضعه وأحسن تطبيقه وتنفيذه, إذ إن الأفراد قد ينجحون في التحايل والتفلت من الجزاء الدنيوي لكنهم لا يملكون ذلك عندما يقترن الجزاء الدنيوي بالجزاء الأخروي.
2 -للجمع بين الجزاءين الدنيوي والأخروي أثر في استيعاب الشريعة الإسلامية لبعض الأفعال التي تقصر القوانين الوضعية عن تناولها ووضع جزاء لها أو عليها؛ كالتحلي بمكارم الأخلاق؛ مثل الصدق والإخلاص والأمانة والعفة, والتخلي عن رذائل الأخلاق؛ كالرياء والحسد والنميمة والغيبة, فهذه أفعال جزاؤها في الشريعة أخروي, وليس لها أو عليها جزاء في التشريعات الوضعية إلا في بعض صورها.
3 -أن الشريعة الإسلامية لا تقتصر على الأحكام الملزمة فقط من الواجب والحرام, وإنما تشمل أيضا المندوب والمكروه الذي يكون الجزاء فيه