والصوم, والحيض والطهر, وسائر ما لا يمكن رجوعه إلى أصل معين ظاهر [1] ". فهذه الأمور ليست غيبا, بل أصحابها والمتلبسون بها يعرفونها على حقيقتها. وهي قابلة للكشف والتحقق حتى لدى الغير, لكنَّ ذلك مُعْنِتٌ ومُحرج. فلذلك تُركت إلى أمانات المكلفين. فهم مؤتمنون عليها ومصدقون فيها, وأمرهم بعد ذلك إلى الله."
... كما يلحق بها كثير من المعاصي والمساوئ التي لم يضع الشرع لها عقوبات دنيوية؛ كالغيبة والنميمة وسوء الظن والبغض والحسد والكبر والشح ... فهي في حد ذاتها ليس عليها ضمن أحكام الدنيا عقاب, وإنما حسابها وعقابها يقع ضمن أحكام الآخرة. وقد يكون فيها تعزير إذا تولد عنها إضرار ظاهر بحقوق الغير, أما في ذاتها فهي متروكة لأحكام الآخرة.
... ومما يدخل في هذا الباب كذلك القاعدة التي يعبر عنها فقهاء المالكية , بقولهم"حكم الحاكم لا يدخل العبادات", أو أن"حكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالا, بل تبعا". فالحكم على العبادات باللزوم وعدمه, وبالإجزاء وعدمه, وبالصحة والبطلان ... يدخل في النطاق الدياني الأخروي, وليس من شأن الحكام, إلا ما يقع فيه التنازع والخصام والاشتجار, فيكون تدخلهم فيه إنما هو بالقصد الأول لمنع الفتنة وفض التنازع أو تلافيه. وتبعا لذلك قد يحكمون- مثلا- بثبوت هلال رمضان وبدء الصوم, أو بثبوت هلال شوال وما ينبني عليه من فطر وصلاة عيد, أو بصحة انعقاد الجمعة, أو بتحديد وقتها ... ولكن أحكامهم في هذه العبادات - إذا لم توافق الصواب ومقتضى الدليل في باطن الأمر وحقيقته - فإنها تبقى أحكاما دنيوية سياسية [2] , أما الحكم الحقيقي لهذه العبادات, وما يصح منها وما لا يصح, فهو حكم أخروي أمرُه إلى الله تعالى, فحكم الحاكم فيها إنما هو اجتهاد لرفع النزاع الدنيوي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات للشاطبي 2/ 309.
[2] سياسية: بمعنى أنها من باب السياسة الشرعية.