المحذرة من طلب الولاية عدم وجوب إقامتها بل الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات, لا غنى عنها في جميع الأحوال, حتى فيما إذا قل العدد, وضعف احتمال حصول الشقاق والاختلاف, فكان صلى الله عليه وسلم يوصي إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم [1] "وكان إذا أرسل جيشا جعل عليه أميرا, وخليفة للأمير, وخليفة للخليفة , مبالغة منه في الحيطة والتحرز؛ كما في غزوة PC/ مؤتة PC/"وكل ذلك حرص منه على النظام والتماسك والاتحاد وعليه توجه أدلة النهي عن طلب الإمارة على أنها تأسيس لمبدأ أن الولاية تمثيل للأمة لا استعلاء عليها, وتهذيب لنزعة حب السلطة في الإنسان ونهي عن التباهي بإصدار الأوامر والنواهي, قصدا للعلو في الأرض, لما ورد عن أبي ذر قلت:"E/ يا رسول الله ألا تستعملني E/ قال فضرب بيده على منكبي ثم قال H/ يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها H/". [2] فإذا كانت البواعث من وراء طلب الولاية مشروعة, والقدرة على العمل متحققة فطلب الولاية-والوظائف العامة - جائز, وهذا ما يقرره الضابط الذي بين أيدينا, ونعني بالجواز هنا ما سوى المحرم من الأحكام التكليفية, فيشمل الوجوب والندب والإباحة كما يشمل المكروه, وكل ذلك بحسب نوع الباعث المحرك, ومقدار الكفاية للمهم, فمن طلب الولاية لإقامة العدل مع توفر القدرة فالأمر بين الندب والوجوب. وإن كان الباعث مباحا فمباح بشرط الأهلية للولاية في كل الأحوال واستنادا إلى هذا المبدأ فيجوز طلب الولاية كما يجوز توليتها ولو تحت حاكم ظالم إذا كان في ذلك تحقيق مصلحة عامة للمسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر زوائد البزار، نيل الأوطار، 9: 160
[2] رواه مسلم 3/ 1457 (1825) .