دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة: 6 و 7.] ..
قال بعض المفسرين: احتج الله تعالى بهذه الآيات لرسوله صلى الله عليه وسلم على اليهود وفضح أحبارهم وعلماءهم, وذلك أنه أبطل دعواهم بإبطال لازمها.
فالملزوم هو ما يدعونه من أن الدار الآخرة خالصة لهم دون الناس, وأنهم أولياء الله وأحباؤه, واللازم هو تمني الموت.
ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبدًا, وحينئذ يلزم قطعًا بطلان ما ادعوه من أنهم أولياء الله وأحباؤه, وأن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس؛ ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء لازمه.
وبيان وجه الملازمة أن من اعتقد أن الجنة مأواه, وعلم أنه لا سبيل إلى دخولها إلاّ بعد الموت استعجل الموت وتمناه, كما كان شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم [1] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - من أمثلة ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن كان لا يبالي سقط على الموت أم سقط عليه الموت (تفسير روح المعاني للألوسي 1/ 327، 328) . وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عمر لأخيه زيد يوم أحد: خذ درعي. قال زيد: إني أريد من الشهادة مثل ما تريد. فتركاها جميعًا. (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني 1/ 367) . ومنه ما روى البيهقي في السنن الكبرى في قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وقتاله في غزوة مؤتة وهو يقول: [يا حبذا الجنة واقترابها طيبة باردة شرابها. والروم روم قد دنا عذابها علي أن لاقيتها ضرابها] (سنن البيهقي الكبرى 9/ 154، التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور 1/ 424) .وما روي أنه لما تجهز الناس وتهيأوا للخروج إلى مؤتة فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين، فقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: [لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا. أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا. حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا] (انظر: حلية الأولياء 1/ 119، التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور 1/ 424) . وغيره كثير مشهور في كتب السير والمغازي.