بعد أن يجرد العقلُ الجزئيَّ المحسوس من الأعراض والقرائن التي حكمت بها الطبيعة التي في ذلك الجزئي, فيصير الحكم كليًا [1] .
ولما للحواس من الأهمية البالغة في تحصيل العلوم؛ اعتبرها الشارع في سبيل تحصيل الحكم الشرعي تأصيلًا وتفريعًا.
والعلماء جميعًا متفقون على صحة قاعدة مراعاة دليل الحس في التشريع؛ أصولًا وفروعًا.
ودليل الأصوليين على ذلك الاستقراء, ولسوف يتضح اطراد إعمال القاعدة في الأدلة الأصولية من خلال فقرة التطبيقات. وأما الفقهاء فإن المذاهب عامة تعتمد هذه القاعدة, وتعمل بموجبها؛ فقد اعتمد كثير من المسائل الإجماعية على دليل الحس؛ كدخول شهر رمضان وخروجه على رؤية الهلال أو إتمام عدة الشهر, وسيتضح عند الحديث عن التطبيقات تشعب إعمال هذه القاعدة في الفروع وانتشاره.
وتمثل هذه القاعدة مظهرا بَيِّنًا من مظاهر تيسير هذه الشريعة السمحة على المكلفين؛ فإن القيام بالتكاليف يستحيل بدون العلم بأسبابها وأماراتها, فاحتاج المكلفون إلى معرفة هذه الأسباب, وتعليق التكاليف على الأمور المحسوسة أمر سهل ميسور تعلُّمُهُ لكل أحد؛ فيتمكن بذلك كل مسلم من إدراك ما توجه إليه من التكاليف؛ سواء كان متعلمًا أو جاهلًا. فكان في نوط أمارات التكاليف بدليل الحس تيسير على الناس؛ إضافة إلى أن إسناد الأحكام الشرعية إلى الأمور المحسوسة التي يشترك في إدراكها الجميع يُقلِّل من حدوث الخطأ والاختلاف بين المكلفين في تحديدها. [2]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المعتبر في الحكمة لابن ملكا البغدادي 1/ 214 ط: جمعية دائرة المعارف الإسلامية العثمانية، حيدر أباد الدكن، 1357 هـ.
[2] انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 7/ 189، مجموع الفتاوى 25/ 136 - 139، فتح الباري لابن حجر 4/ 151، والقواعد الفقهية المتضمنة للتيسير لعبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف 1/ 227.