والنهي - بحسب تقسيم الأصوليين للحكم التكليفي [1] - يقتضي أحد حكمين: التحريم, أو الكراهة, فالتحريم: هو طلب الترك طلبًا جازمًا. والكراهة: هي طلب الترك طلبًا غير جازم بنهي مخصوص [2] . ولما كان الطلب غير الجازم أدنى درجة من الطلب الجازم, فإن القاعدة تقرر أن"الكراهة أقل أحوال النهي", هذا بصرف النظر عما ذهب إليه جمهور الأصوليين من أن النهي حقيقة في التحريم, مجاز في الكراهة [3] . والفائدة مما تقرَّرَ تكمن في إخراج المباح أو المشروع من أن يكون داخلا تحت النهي؛ لأن أقل أحوال النهي الكراهة , وبهذا تلتقي القاعدة - محل الدراسة - مع قاعدة:"الأمر المطلق لا يتناول المكروه"التي تقدم ذكرها في القواعد ذات العلاقة, فكلاهما يؤكد معنى الآخر, ويقويه, فالأمر المطلق بحسب القاعدة الأخيرة لا يتناول المكروه؛ لأن أدنى درجاته المباح, أما القاعدة هنا فإنها تقرر أن أقل أحوال النهي الكراهة , وبالتالي فإن المباح لا يدخل في النهي.
وبناء على ما تقدم فإنه إذا كان لدينا خطاب تكليفي من الشارع على جهة النهي عن أمر ما, فإننا نحمله على حقيقته وهي التحريم؛ لأن اللفظ متى تناول معنيين هو في أحدهما مجاز, وفي الآخر حقيقة فالواجب حمله على الحقيقة, ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة [4] , فإذا رأينا ما يصرف النهي عن حقيقة التحريم من دليل أو قرينة فإننا لا نحمله على الإباحة لأنها لا تدخل تحت النهي, وإنما نحمله على أقل أحواله, وهو الكراهة بحسب ما قررته القاعدة,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قسم الجمهور أو المتكلمون الحكم إلى خمسة أقسام، هي: الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح. وقسم الحنفية الحكم إلى سبعة أقسام، هي: الفرض، الواجب، المندوب، الحرام، المكروه تحريمًا، المكروه تنزيهًا، المباح.
[2] انظر: حاشية العطار مع شرح الجلال المحلي 1/ 115.
[3] انظر: شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار 1/ 498.
[4] انظر: الفصول في الأصول للرازي الجصاص 1/ 46 ط: وزارة الأوقاف الكويتية.