فهرس الكتاب

الصفحة 1607 من 19081

أن هذه قضية باطلة منقوضة, مُوردًا في ذلك بعض الاستشكالات والاعتراضات, اعتمادا على فهمه الخاص لبعض النصوص ولبعض الحالات, وعلى فهمه الخاص أيضا لمراد العلماء.

قال ابن حزم:"وأما قولهم: إنه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده, فإن الله تعالى أكذبهم بقوله: {وَنُنَزِّلُ مِن القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [/] ,"

فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا, بل ما عليهم في ذلك إلا أعظم الضرر وأشد المفسدة. ولقد كان أصلحَ لهم لو لم ينزل وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط.

قال أبو محمد: ويقال لهم: ألِمَصلحةِ جميع عباده فعل تعالى ما فعل؟ أم لمصلحة بعضهم؟

فإن قالوا: لمنفعة جميعهم كابروا وأكذبهم العيان؛ لأن الله تعالى لم يبعث قط موسى عليه السلام لمنفعة فرعون ولا لمصلحته, ولا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لمنفعة أبي جهل ولا لمصلحته, بل لمضرتهما ولفساد آخرتهما ودنياهما, وهكذا القول في كل كافر؛ لو لم يَبعث الله من كذبوه من الأنبياء لكان أصلحَ لدنياهم وآخرتهم, فبطلت قضيتهم الفاسدة جملة وصح أنها دعوة فاسدة منتقضة." [1] "

ومنشأ الخلل في هذا الموقف, هو الخلط بين مقصود الشريعة من جهة, وتصرف العباد إزاءها من جهة أخرى. فكونُ فرعون/ 3 وأبي جهل وأضرابهما من الكافرين والظالمين , لم ينتفعوا بالشرائع والرسالات المنزلة بها, بل لم يزدادوا بها إلا ضلالا وهلاكا, ليس هو الذي يحدد مقصود إنزالِ الشرائع وبعثِ الأنبياء بها, وإنما الذي يحدد ذلك هو الله تعالى ورسله. وقد قال الله سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد -25] . وقال أيضا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعَالَمين} [الأنبياء- 107] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الإحكام لابن حزم 8/ 583.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت