فهرس الكتاب

الصفحة 1617 من 19081

2 -قوله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة - 219] . فهذه الآية الكريمة أصل في تحريم ما غلب فيه الضرر والفساد, ولو كانت فيه مصلحة أو فائدة ما. فقد صرحت الآية بأن الخمر والميسر فيهما إثم كبير وهو سبب تحريمهما ـ, وأن فيهما أيضا منافعَ للناس, إلا أنها منافع مغمورة مرجوحة, فلا عبرة بها. قال ابن عادل في تفسيره:"وأمَّا المنافع المذكورة فيهما, فمنافع الخمر: أنَّهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النَّواحي. وكان المشتري, إذا ترك المماكسة في الثَّمن, كانوا يعدُّون ذلك فضيلةً ومكرمةً, وكانت تكثر أرباحهم بذلك السَّبب. ومنها أنَّها تقوِّي الضَّعيف, وتهضم الطَّعام, وتعين على الباءة, وتسلي المحزون, وتشجِّع الجبان, وتُسَخي البخيل, وتصفي اللَّون, وتُنعش الحرارة الغريزيَّة, وتزيد من الهمَّة والاستعلاء. ومن منافع الميسر: التَّوسعة على ذوي الحاجات؛ لأنَّ من قمر [1] لم يأكل من الجزور شيئًا, وإنما يفرّقه في المحتاجين. وذكر الواقديُّ أنَّ الواحد كان ربَّما يحصل له في المجلس الواحد مائة بعيرٍ, فيحصل له مالٌ من غير كدٍّ ولا تعبٍ, ثم يصرفه إلى المحتاجين, فيكتسب فيه الثَّناء والمدح. وكانوا يشترون الجزور, ويضربون سهامهم, فمن خرج سهمه؛ أخذ نصيبه من اللَّحم, ولا يكون عليه شيء من الثَّمن, ومن بقي سهمه آخرًا, كان عليه ثمن الجزور كلِّه, ولا يكون له من اللَّحم شيءٌ". [2]

غير أن كل هذه المنافع المعدَّدَة ما صح منها وما لم يصح تعتبر شيئا قليلا زهيدا, أمام المفاسد العظمى للخمر والميسر. فلذلك أُهدرت مراعاة للمفاسد الغالبة الغامرة فيهما {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة - 219] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أي ربح القمار.

[2] تفسير اللباب لابن عادل 3/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت