فهرس الكتاب
أساسيًّا من عملية الاجتهاد ناقش الأصوليون مدى اعتبار قول منكري القياس في انعقاد الإجماع.
بمعنى: أن من أنكر القياس هل يشترط موافقته لانعقاد الإجماع, ويعتد بقوله إذا خالف فيكون ذلك قادحًا في الإجماع أو لا؟
تقرِّر القاعدة: أن الإجماع إذا كان على مسألة راجعة إلى القياس لم يُعتَدَّ فيه بمخالفة منكري القياس؛ ولا تؤثِّر مخالفتهم في انعقاده. أما إذا كان الإجماع على مسألة لا ترجع إلى القياس فإنه يُعتبَر فيه مخالفة من أنكر القياس, ولا ينعقد دون موافقتهم. وهذا مذهب المحقِّقين من علماء الأصول. [1]
وهذا مبنيٌّ على القول بتجزؤ الاجتهاد؛ وبيان ذلك: أن القياس جزء من الاجتهاد؛ ومنكر القياس مجتهد فيما عدا هذا الجزء فيعتبر قوله فيما عدا القياس.
قال الإبياري - معقِّبًا على من ذهب إلى أن الإجماع لا يعتد فيه بمخالفة منكري القياس مطلقًا: «هذا غير صحيح عندنا على الإطلاق؛ بل إن كانت المسألة مما تتعلَّق بالآثار, والتوقيف, واللفظ اللغوي, ولا مخالف للقياس فيها لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم» . [2]
وقال الشوكاني - في ردِّه على من لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا؛ ويعدُّونهم من العوامِّ في مسائل الإجماع: «أهل الظاهر فيهم من أكابر الأئمة, وحُفَّاظ السُّنَّة المتقيدين بنصوص الشريعة جَمْعٌ جَمٌّ؛ ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة؛ التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة, ولا قياس مقبول؛ وتلك شَكاة ظاهر عنك عارها [3] - أي اعتبارهم من العوام - نعم قد جمدوا في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) انظر: فتاوى ابن الصلاح 1/ 207؛ والفصول في الأصول للجصاص 3/ 67.
[2] البحر المحيط للزركشي 3/ 519 ط: دار الكتب العلمية.
[3] الشَّكاة: الذم والعيب؛ وظاهر: أي زائل. وهذا شطر بيت ... وعيّرني الواشون أنِّي أحبها .... وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها.