بالنفوس والأطراف قبيحا من غير مصالح يحوزها ومفاسد يجوزها- لعد العقلاء ذلك قبيحا منه" [1] "
وقال أيضا:"وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما, ومفاسد إذا تحققت هلك أهلهما, وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به؛ فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة, وإنما يعملون بناء على حسن الظنون, وهم مع ذلك يخافون ألا يقبل منهم ما يعملون [2] , وقد جاء التنزيل بذلك في قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون-60] ."
وكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناء على حسن الظنون, وإنما اعتُمد عليها لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها؛ فإن التجار يسافرون على ظن أنهم يسلمون ويربحون, والصناع يخرجون من منازلهم على ظن أنهم يُستعملون بما به يرتفقون, والأكارون يحرثون ويزرعون بناء على أنهم يَستغلون, والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يُستأجرون, والملوك يجندون الأجناد ويحصنون البلاد بناء على أنهم بذلك ينتصرون.
وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويَسلمون, والشفعاء يشفعون على ظن أنهم يُشفَّعون, والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون.
وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام, يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون, والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - قواعد الأحكام 2/ 109 - 110.
[2] - للشيخ أحمد بن مبارك السجلماسي (وهو فقيه وأصولي مالكي مغربي، توفي منتصف القرن الثاني عشر الهجري) رسالة قيمة في مسألة الأعمال التعبدية للمكلف، إذا استوفت شروط الصحة ظاهرا وباطنا، هل يُقطع بقبولها عند الله تعالى، أم أن ذلك يبقى في حدود الظن والرجاء؟ وقد رجح المؤلف القول الأخير، وعرض وناقش الأقوال الأخرى في المسألة. والكتاب حققه الحبيب عيادي، ونشرته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط - 1999.