"المستصفى", وأبو الخطاب من الحنابلة, قال ابن السمعاني: إنه المذهب الصحيح, ونقله الآمدي عن الأشاعرة والمعتزلة, وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى, وإليه ذهب ابن حزم وبعض الإباضية [1] .
ومما احتجوا به: قوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ؛ فدل على أن كل واحد من الأنبياء ينفرد بشرع لا يشاركه فيه نبي غيره, ويجاب عليهم: بأن الآية تقتضي أن كل نبي يختص بطريقة لم تكن للأول, وهذا لا يقتضي انتساخ شريعة الأول كلها؛ لأن ذلك يفضي إلى نقض الأحكام, ألا ترى أنهم أجمعوا على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى وتوحيده والطاعة له على أوامره, فمشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر, كما أن مشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره [2] .
ثم على ما هو مقتضى قاعدتنا من أن شرع من قبلنا شرع لنا فقد اختلف القائلون بذلك, فمنهم من خصه بملة إبراهيم, ومنهم من خصه بشريعة موسى, ومنهم من خصه بشريعة عيسى؛ لأن شرعه آخر الشرائع قبل نبينا عليه الصلاة والسلام, ومنهم من ذهب إلى أننا نتعبد بكل ما ثبت شرعا لأي نبي كان, إلى أن يعلم نسخه كما صرح به المالكية.
ونشير إلى أن من قال: شرع من قبلنا شرع لنا إنما عنى بذلك: استصحاب ما ورد من أحكام في شرائع الأنبياء السابقين - عليهم السلام - حتى يوجد المغيِّر من شريعتنا, فإذا لم يوجد ذلك المغير؛ كان الأمر على ما هو عليه, والمعنى على ذلك [1] : أننا نكون موافقين لها لا متابعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر مراجع القاعدة نفس الصفحات؛ حاشية الترتيب لابن سنة 1/ 132.
[2] انظر: بذل النظر في الأصول للأسمندي ص 680؛ التبصرة للشيرازي ص 164.