فهرس الكتاب

الصفحة 1809 من 19081

والمقصود بالقاعدة أن تكاليف الدين ليس فيها حرج, ولا ينبغي أن يكون فيها حرج. فالحرج مرفوع عنها ومنزوع منها ابتداء. ذلك أن معظم أحكام الشريعة: إما مباحات ومندوبات وواجبات, وإما مكروهات ومحرمات.

... فأما الواجبات والمندوبات والمباحات, فكلها تدخل فيما"لا حرج فيه" [1] , باعتبار أنها كلها مما يجوز فعله والانتفاع به, وهي كلها تلبي احتياجات المكلفين وتجلب مصالحهم. وهم - إلى ذلك - يؤجَرون على فعلها, إذا نووا واحتسبوا.

... وإذا كانت الواجبات - من بين هذه الأنواع الثلاثة - يلزم فعلها ويعاقب على تركها, فإنما ذلك في حدود الاستطاعة وانتفاء الحرج, كما قال عليه الصلاة والسلام:"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (2) , فلا يبقى حرج في كونها واجبة ولازمة.

... وأما المكروهات والمحرمات, فالأصل أن فعلها وليس تركها هو الذي يجلب الحرج, ويؤول إلى الحرج, وأن اجتنابها هو الذي يرفع الحرج, ويقي من المآلات الحرجة. ومع ذلك فإن الالتزام باجتنابها إنما يكون أيضا في حدود ما يطاق وما لا حرج فيه.

... وعلى العموم, فإن أحكام الشرع وضعت في أصلها ومقصودها على أساس اليسر ودفع الحرج, في الحال وفي المآل. لكن إذا طرأ عليها واعترض طريقها واكتنف القيامَ بها ما يشكِّل حرجا حقيقيا, فإن هذا الأصل أصل رفع الحرج يقتضي تخفيف الأحكام والتكاليف بما يرفع عنها الحرج الطارئ. ولذلك شرعت الرخص والأحكام الاستثنائية, في مواطن الحرج والمشقة.

... على أن الحرج الذي يُنفى عن الشريعة ويرفع عن تكاليفها, إنما هو ما كان شديدا أو شاقا أو غير معهود في ذلك التكليف وأمثالِه. وهذا هو المعنى المعبَّر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) انظر: المحصول للرازي 3/ 371.

[2] رواه البخاري 9/ 94 - 95 (7288) ؛ ومسلم 2/ 975 (1337) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت