ومن ذلك المسألة التي تعالجها هذه القاعدة.
وهي مسألة: ورود صيغة النهي في شيء قد كان واجبا إلى حين ورودها, هل يكون سبق الوجوب قرينة تصرف النهي عن حقيقته - وهي التحريم - أو لا؟
وهي مبنية على مسألة ورود الأمر بعد الحظر هل يكون قرينة صارفة له عن حقيقته وهي الوجوب أو لا؟.
فكل من قال: إن الأمر بعد الحظر يبقى على ما تقتضيه حقيقته من الوجوب كما لو لم يسبقه حظر ولا نهي, قال إن النهي بعد الوجوب يبقى على التحريم من باب أولى, فالوجوب السابق على صيغة النهي لا يصرفها عما تقتضيه حقيقة النهي من التحريم.
أما من قال إن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة فقد اختلفت أقولهم في هذه المسألة [1] , فمنهم من يرى أن تقدم الوجوب قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي, الذي هو التحريم, كما أن تقدم التحريم قرينة تصرف صيغة الأمر عن معناها الذي هو الوجوب, ومنهم من لا يرى ذلك. [2]
وللأصوليين في هذه المسألة أقوال: [3]
الأول: أن تقدم الوجوب على النهي لا يكون قرينة صارفة لصيغة النهي عما تقتضيه حقيقته من التحريم, بل يبقى النهي على أصله كما لو لم يتقدمه وجوب. [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المحصول للرازي 2/ 162.
[2] مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني ص 57؛وانظر: البحر المحيط للزركشي 3/ 310.
[3] ذكرها تاج الدين السبكي في جمع الجوامع بقوله: أما النهي بعد الوجوب: 1 فالجمهور: للوجوب. 2 وقيل: للكراهة. 3 وقيل: للإباحة. 4 وقيل: لإسقاط الوجوب. 5 وإمام الحرمين: على وقفه. جمع الجوامع مع شرحه: كتاب الضياء اللامع لحلولو 1/ 587.
[4] انظر: التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني 2/ 319؛ والبرهان للإمام الجويني 1/ 188.