وسبب الخلاف في هذه القاعدة: أن الجمهور القائلين بحمل المطلق على المقيد اختلفوا في الطريق الذي يثبت به هذا الحمل.
فالفريق الأول: ذهب إلى أن حمل المطلق على المقيد ثابت بطريق اللغة؛ ولذلك اعتبروا حمل المطلق على أحد القيدين المتنافيين ترجيح بلا مرجِّح, وحمل بلا دليل؛ فلا يجوز. [1] وهذا الموافق لمقتضى القاعدة. والفريق الثاني: اعتبر أن حمل المطلق على المقيد ثابت بطريق القياس؛ أي الشبه الحاصل بين المطلق والمقيد؛ ولذلك قالوا إن المطلق في هذه الحالة يحمل على أشبه القيدين به. [2]
فمثال: ما حُمِل فيه المطلق على أشبه القيدين المتنافيين قوله تعالى {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] في صوم كفارة اليمين. فقد ورد هذا النص مطلقًا. في حين ورد مقيدًا بالتتابع في صوم كفارة الظهار في قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4] , وورد مرة أخرى مقيدًا بالتفريق في صوم التمتع في الحج في قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فيحمل المطلق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة الظهار للشبه بينهما لأنهما كفارتان [3] ؛ بخلاف الصوم في الحج فهو نسك ولا يتشابه مع الصوم في الكفارة, ومن هنا افترقا. [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المعتمد لأبي الحسين البصري 1/ 313؛ والمسودة لآل تيمية ص 145.
[2] المحصول للرازي 3/ 147؛ والإبهاج لابن السبكي 2/ 202؛ وروضة الناظر لابن قدامة ص 137؛ وغاية الوصول لزكريا الأنصاري ص 83.
[3] روضة الناظر لابن قدامة ص 137؛ وغاية الوصول لزكريا الأنصاري ص 83.
[4] انظر المحصول للرازي 3/ 147 ط: مؤسسة الرسالة؛ والإبهاج لابن السبكي 2/ 202.