فهرس الكتاب

الصفحة 1840 من 19081

عين هذا العمل أو ذاك, فقد تكون المشقة معتبرة في بعض الأعمال والتكاليف ولا تكون هي نفسها معتبرة في تكاليف أخرى نظرا لرتبة العمل وأهميته, فتعريض الإنسان نفسه للهلاك ولفوات النفس أو عضو من الأعضاء مشقة واضحة, ولكنها مشقة غير معتبرة لإسقاط فريضة الجهاد في سبيل الله, ذلك أن المصالح التي تترتب على الجهاد من إظهار للدين ودفاع عن المستضعفين وحماية للأوطان و حفاظ على كيان الإسلام, أعظم بكثير من مفسدة المشقة التي قد تصيب آحاد الأفراد.

وهذه المشقة نفسها -أي التعرض لخطر فوات النفس أو عضو من الأعضاء- مشقة معتبرة في شعيرة الوضوء, لأن مصلحة الوضوء مصلحة تحسينية, بخلاف الحفاظ على النفس أو عضو من الأعضاء فإنها من المصالح الضرورية, ولأن الوضوء إذا فات فإنه يفوت إلى بدل وهو التيمم, بخلاف النفس أو العضو فإنهما يفوتان إلى غير بدل.

وهذا المعنى هو ما دلت عليه القاعدة الفقهية:"ما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها" [1] وهو ما نبه إليه العز بن عبد السلام بقوله: وتختلف المشاق باختلاف العبادات في اهتمام الشرع فما اشتد اهتمامه به شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة, وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة, وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه كي لا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع.

مثاله: ترخيص الشرع في الصلاة التي هي من أفضل الأعمال تقام مع الخبث الذي يشق الاحتراز منه, ومع الحدث في حق المتيمم والمستحاضة, ومن كان عذره كعذر المستحاضة." [2] "

هذا, ولا بد من التنبيه هنا إلى أن هذه المعايير جميعها معايير تقريبية قد لا تقوى في بعض الصور والوقائع على حسم الحكم بحق المشقة وتحديد وصفها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفروق للقرافي 1/ 217.

[2] قواعد الأحكام للعز 2/ 8، وانظر: هذا المعنى أيضًا في الفروق للقرافي 1/ 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت