فهرس الكتاب

الصفحة 1849 من 19081

بما فيه كلفة ومشقة, ولكنه لا يقصد نفس المشقة, بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلفين" [1] "

فقد ينتج عن فريضة الصيام مثلا مشقة الجوع والعطش والتعب, ومشقة مخالفة بعض الغرائز والشهوات التي جبلت عليها النفس الإنسانية, وهي جميعها مشاق بدنية ونفسية معتادة ترافق الصيام وتقترن به غالبا, ولكن الشارع الحكيم لم يتعبد المؤمنين بأداء فريضة الصيام لأجل إعناتهم بهذه المشاق المختلفة, وإنما تعبدهم بالصيام وكتبه عليهم في سبيل تزكية نفوسهم وتربية ضمائرهم وتهذيب نفوسهم, والارتقاء بهم إلى مقام المتقين الذين يقدمون أوامر الله على مطالب النفس وشهواتها, ويملكون التحكم بغرائزهم الجبلية الفطرية مهما كانت عزيزة وغالية, وهي الغاية التي نبه إليها سبحانه في بيانه للأثر النفسي والسلوكي المرجو من فريضة الصيام بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة - 183]

و هذا التوجيه الظاهر في فريضة الصيام يصدق على جميع التكاليف الشرعية الأخرى التي تمتزج معها وتختلط بها جنس المشقة المعتادة المقدور عليها, وهي غير مطلوبة لكونها مشقة, وإنما هي مطلوبة لما يتمخض عن أسبابها وهي التكاليف الشرعية, من مصالح حقيقية ترتد على الفرد والمجتمع والأمة.

ولقد برع العز بن عبد السلام في تقريب فكرة هذه القاعدة وتحليل مضمونها من خلال ضرب أمثلة واقعية من حياة الإنسان تقترن فيها الأعمال ببعض المشاق, ولا تكون تلك المشاق هي المقصودة ولا المرجوة للمكلف من أصل قيامه بالعمل, وهذا ما وضحه بقوله:"بل الأمر بما يستلزم المشقة بمثابة أمر الطبيب المريض باستعمال الدواء المر البشع, فإنه ليس غرضه إلا الشفاء, ولو قال قائل كان غرض الطبيب أن يوجد مشقة ألم مرارة الدواء, لما حسن ذلك فيمن يقصد الإصلاح. وكذلك الوالد يقطع من ولده اليد المتآكلة حفظا لمهجته ليس غرضه"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموافقات للشاطبي 2/ 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت