فهرس الكتاب

الصفحة 18697 من 19081

وقد بنى العز بن عبد السلام رأيه ذلك على أن الوصف الغالب قد شهدت العادة بثبوته للموصوف؛ فالمتكلم ليس في حاجة إلى ذكره؛ لأن ما فُهِم من غير ذِكر لا يُذكر؛ فإذا عدَل المتكلمُ فذكرَه دلَّ ذلك على أنه أراد من وراء ذكره أمرًا هو إفادة مفهوم المخالفة. أما الوصف غير الغالب فإنه يُذكر لأغراض كثيرة: منها إحضاره في ذهن السامع, وإخباره به, وإثباته للحقيقة الموصوفة به, وليس لسلب المعنى عن المسكوت عنه فقط, وبذلك يظهر أن الوصف الغالب أولى أن يكون له مفهوم مخالفة.

وقد أجيب عن ذلك بأن الوصف الغالب لما كان شائعًا عند إطلاق الموصوف ملازمًا له فإن المتكلم يذكره لاستحضاره في ذهن السامع لا لتخصيص الحكم به, ونفيه عما عداه. [1]

والحكم على القيد, أو الوصف, أو الشرط بأنه خرج مخرج الغالب إنما هو باعتبار ما كان سائدًا في عصر التنزيل؛ وهذا يستدعي من المجتهد دراسة العادات الغالبة على البيئة التي نزل فيها الوحي. يقول الدكتور/ محمود توفيق: «واعتبار الخارج يتطلَّب من المستنبِط دراسةَ الواقع المعيش زمن التشريع؛ ليرصد حركة الحياة فيه, وماكان غالبًا على أمر هذا الزمن, وما كان غير غالب؛ ليتمكن من إنزال الحكم في ضوء ذلك؛ ويتمكن من اصطفاء السبيل الأقوم إلى استنباط المعنى من النص, وهذا وحده جهد جهيد؛ يعتمد فيه فقه النص على حقائق التاريخ, ودقائق علم الاجتماع, وحضارة العرب؛ بل على الوعي بكُليَّات علم البيئة لجزيرة العرب» . [2]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] -انظر: نفائس الأصول للقرافي 2/ 222 ط: دار الكتب العلمية؛ والفروق للقرافي 2/ 39؛ وسبل الاستنباط لمحمود توفيق ص 284 - 285؛ والقرائن عند الأصوليين لمحمد بن عبد العزيز المبارك 828 - 829.

[2] -سبل الاستنباط لمحمود توفيق ص 284.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت