ومن ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 24] , و {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ} [الحج: 5] , و {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 15] , و {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًايُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف: 26] , قال في كشف الأسرار بعد أن مثل بهذه الأمثلة من القرآن:"فهذه جمل مستأنفة لم تشارك ما تقدمها في الإعراب فأنى تشاركها في المعنى والحكم" [1] .
وتأسيسًا على ما تقدم فإن الجملة التامة إذا جاورها أو عطف عليها جملة مقيدة بقيود, فإنها لا تتأثر بقيود ما جاورها, وتبقى مستقلة في معناها, قال ابن الهمام:"الأصل في الجملة التامة أن تستقل بنفسها فلا يعتبر فيها ما اعتبر فيما قبلها من القيود" [2] .
وهذه القاعدة تعد أصلًا لقاعدة"الأصل عدم الإضمار", وبيان ذلك أن الأصل عدم الإضمار إنما هو في الجمل التامة لأن الأصل فيها الاستقلال, ومعنى استقلالها اكتفاؤها عن غيرها في أداء معناها, أما الجمل الناقصة فإنها تحتاج في إكمال معناها إلى كلام يضمر فيها؛ يُستقى من سياقها أو مما عطف عليها أو من ضرورة تصحيح الكلام عقلًا أو شرعًا [3] .
كما أن القاعدة تعدُّ أصلًا للقاعدة"الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم"؛ من جهة أن اقتران الجملتين التامتين لا يلزم منه اشتراكهما في الحكم, لأن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه, ولا يشاركه غيره من الكلام المقترن به, وهو ما قررته القاعدة محل الدراسة [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 2/ 262.
[2] فتح القدير لابن الهمام 4/ 229.
[3] انظر أصول البزدوي مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 2/ 234 ط: دار الكتاب الإسلامي؛ وأصول السرخسي 1/ 248.
[4] انظر الأدلة الاستئناسية للكناني ص 307 ط: دار النفائس - الأردن.