فهرس الكتاب

الصفحة 2004 من 19081

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذين البيعين تقديمًا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة, حيث إن عموم الناس ينتفعون من وفرة العرض ورخص الأثمان فيما لو قام الجالبون لبضائعهم ببيع السلع مباشرة بتلقائية تامة, دون تدخل من أحد, فإذا اشتريت البضائع قبل هبوطها إلى الأسواق عن طريق تلقي الركبان, أو تدخل الوسطاء في عملية البيع كما في بيع الحاضر للبادي, فإن مصلحة العامة ستفوت, وسينتفع من هذا البيع مجموعة قليلة من الأفراد على حساب عموم أهل السوق, ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذين البيعين, وهذا ما وضحه أبو عبد الله المازري بقوله:"إن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس, والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد, لا للواحد على الواحد, فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق واشتروا رخيصا فانتفع به جميع سكان البلد, نظر الشرع لأهل البلد على البادي. ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة وهو واحد في قبالة واحد, لم يكن في إباحة التلقي مصلحة, وينضاف إلى ذلك علة ثانية وهي: لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي, فنظر الشرع لهم عليه." [1]

2 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من احتكر فهو خاطئ." [2]

... فالنهي عن الاحتكار دليل على تقديم مصلحة عموم الناس على مصلحة بعض التجار, ذلك أن الاحتكار الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم واعتبره خطئية وإثمًا هو: أن يشتري الرجل الطعام في وقت الغلاء للتجارة, ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه فيبيعه حينئذ [3] . وفي هذا التصرف تفويت لمصلحة عموم الناس الذين ينتفعون من إخراج السلع ورواجها ووفرة العرض فيها؛ لأجل مصلحة خاصة تتمثل في زيادة الكسب الذي سيحققه المحتكر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] شرح النووي على مسلم 10/ 164.

[2] رواه مسلم 3/ 1227، 1228 (1605) عن معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي رضي الله عنه.

[3] انظر شرح النووي على مسلم 11/ 43، فتح الباري 4/ 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت