وإن هذا المعنى العام للمسببَّات هو المقصود في هذه القاعدة, فهل المكلف مطالبُُ وملزم بأن ينظر إلى مصالح الأحكام وحِكمَها ومقاصدها التي تترتب عليها وأن يبحث عنها ويتحراها؟ ثم هل هو ملزم بأن يبتغي هذه المسببّات أو يقصدها عندما يلتزم بالتكليف وينهض بأحكامه ومقرراته وأوامره ونواهيه المختلفة؟ [1]
إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تحديد الجهة صاحبة النظر والقصد وتبيُّن حالها ومقامها ومدى تأثير النظر إلى المسبّب على فعل المكلف نفسه, وما هي المصالح أو المفاسد الناجمة عن هذا النظر؟ , وبيان ذلك وتفصيله:
أنه ينبغي التمييز أولا بين مقام الاجتهاد و مقام أداء التكليف, فإذا كان الأمر يتعلق بالمجتهد فإنه يلزمه النظر في مصالح الأحكام وحِكمها ومعانيها ومسبّباتها إذا كانت مدركة ومعقولة, ويكون هذا النظر بحقه واجبًا ولازما لأنه هو الذي يمكِّنه من فهم الأحكام الشرعية فهمًا صحيحًا موافقًا لمقصود الشارع, وهو الذي يتيح له توسيع دائرة الاجتهاد حتى يجري الأحكام المناسبة في الوقائع التي سكت عنها الشارع."فإن المجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها, ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام إلا بنص أو إجماع" [2]
كما أن هذا النظر في مسبّبات الأحكام هو الذي يعطي للمجتهد القدرة على تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقا صحيحا على محالهّا ووقائعها وجزئياتها المناسبة بحيث يكون هذا التطبيق مفضيا إلى مصالحها المقصودة من تشريعها, فيُجري الأحكام على عمومها عندما يكون التعميم سببًا في تحقيق مقصود الشارع, ويستثني بعض الوقائع والجزئيات عندما يتبين له أن الحفاظ على مقصود الشارع يتطلب هذا العدول والاستثناء. ولهذا قال الشاطبي:"إن على المجتهد أن ينظر في الأسباب ومسبباتها لما ينبني على ذلك من الأحكام"
الشرعية" [3] وهذا المعنى قد"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محل هذا البحث والنظر فيما كان مدركا من المعاني والحكم والمقاصد أما ما كان غير مدرك ولا معقول المعنى فإنه خارج عن محل البحث ابتداء.
[2] الموافقات 1/ 200
[3] الموافقات 1/ 235.