تابعًا اتفاقًا, فهذا أيضًا لا يقدح في صحة الحج ولا يوجب إثما ولا معصية ... إلى أن قال:"وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات."
فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات غرضًا آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك, نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر, وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه ومن جهته حصل الفرق لا من جهة كثرة الثواب وقلته" [1] ."
يمكن التقريب بين هذين الاتجاهين إذا جرى النظر إلى الأمرين معًا:
_ نوع المقصد الدنيوي.
_ قوة المقصد الدنيوي.
فإذا كان المقصد الدنيوي الذي بعث على العبادة وحث عليها هو من جنس الرياء, فهو مقصد مبطل للعبادة من أصلها, إذ إن المرائي لا يريد العبادة من حيث هي خضوع لله وإخلاص وتعظيم وإجلال له, وإنما يريدها وسيلة لتحقيق الغرض الدنيوي الذي راءى من أجله. وهذا يعني أن العبادة ستكون خالية من معانيها وحكمها ومصالحها التي شرعت من أجلها. وأنها أقرب إلى اللعب والخداع منها إلى العبادة والخضوع لله.
كذلك فإن قصد المرائي سيؤدي إلى الانقطاع عن العمل وترك العبادة, باعتبار أن عبادته مرهونة برؤية الناس له واطلاعهم عليه وسماعهم به, فإذا حصل ذلك له مضى في عمله وأتى بعبادته, وإذا فات فإنه لن يأتي بها, وهذا كفيل برد قصده عليه لأنه سبب في الانقطاع عن العبادة بدلا من أن يكون حاملًا ودافعًا عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق 3/ 42 - 43.