قوله:"وإنما نزل الشرع بلسان الجمهور" [1] , بمعنى أن الشرع لا يتضمن أحكاما وتكاليف وتعليلات غير قابلة للفهم والإفهام عند جمهور المكلفين. بل هو جمهوري في أحكامه ومعانيه وتعابيره, وعلى هذا الأساس تفهم وتفسر نصوصه وألفاظه ومقاصده.
... ومضمون القاعدة وارد ومعبر عنه عند علماء آخرين, من أبرزهم أبو إسحاق الشاطبي , الذي عبر عنه بقوله:"الشريعة موضوعة على وصف الأمية" [2] , أي أنها وُضعت على نحو يفهمه ويَقدر عليه عامة الناس والأميون منهم, وقد كان العرب الذين خوطبوا به أول مرة أمة أمية, ومع ذلك فهموه وعملوا به على أحسن وجوهه. ولذلك لا ينبغي الخروج والابتعاد في فهمها وإفهامها عن هذا الوصف.
... وهذه القاعدة تفيد في نفي مجموعة من الآفات والمنزلقات والمبالغات التي تقع في فهم نصوص الشرع وأحكامه وتفسيرها, مما يؤدي بهم إلى تحميلها ما ليس من مقاصدها, أو إسقاط ما هو من مقاصدها منها.
... فمن هذه الآفات:
1 -آفة التكلف والتعمق في تصوير أحكام الدين ومقتضياتها, على وجوه لا يُطيق فهمَها ولا العمل بها جمهور الناس, بل حتى كثير من خاصتهم, مع أن///الدين قائم على اليسر والسهولة والوضوح///. فكل ما فيه تعسير وتعقيد ومغالاة وتعمق وشذوذ, يعتبر خارجا عن الدين غير مقصود له, ولو نُسب إليه وأقحم عليه. وفي هذا قال القاساني:"///الشريعة السمحة السهلة لا تبنى على استنباطات صعبة مضطربة///" [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حجة الله البالغة 1/ 305.
[2] الموافقات 2/ 70، طبعة دراز.
[3] الأصول الأصيلة، لمحمد محسن الفيض القاساني (إمامي) 1/ 210، عني بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه مير جلال الدين الحسيني الأرموي.