فهرس الكتاب

الصفحة 2438 من 19081

ووجه الدلالة في الآية: أن الاستنباط منهج عام شرعه الله لمعرفة أحكامه, فلا شك أنه مشروع في معرفة مقاصد الشارع, فكما تستنبط الأحكام من أدلتها, فكذلك تستنبط المقاصد من عللها.

والاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه, ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين. ومن هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس فقال:"لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه" [1] .

ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه, فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب, وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد ولا يخرج منها شيء من المراد [2] .

2 -قول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء 2] فمعنى {يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} يتأملون دلالته, وذلك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يتأملوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها المسلمين, أي تدبر تفاصيله. وثانيهما: أن يتأملوا دلالة جملة القرآن ببلاغته على أنه من عند الله, وأن الذي جاء به صادق. وسياق هذه الآيات يرجح حمل التدبر هنا على المعنى الأول, أي لو تأملوا وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم, ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام. وكلا المعنيين صالح بحالهم, إلا أن المعنى الأول أشد ارتباطا بما حكي عنهم من أحوالهم [3] . فلو أنهم تدبروا قول القرآن لعلموا أنه الحق بدلالةإعجازه وبصحة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري 1/ 33 (111) ، 4/ 69 (3047) ، 9/ 11، 12 (6903) (6915) .

[2] إعلام الموقعين لابن القيم 1/ 225.

[3] التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 4/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت