فهرس الكتاب

الصفحة 2749 من 19081

فالسيدة عائشة رضي الله عنها - وهي من كبار فقهاء الصحابة - قدَّرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الذي نهى عن منع النساء من بيوت الله - لو كان باقيا بين أظهرهم, حتى شاهد ما شاع بين النساء من مظاهرَ وتصرفات مذمومة, لَمَنَعَهُنَّ من التردد على المساجد, مثلما سبق وأن مُنعت نساء بني إسرائيل لذات السبب.

قال الزركشي:"ونُقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم. وقد يتأيد هذا بما في البخاري عن عائشة أنها قالت: /لو علم النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثته النساء بعده لمنعهن من المساجد /, وقولِ عمر بن عبد العزيز< يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور , أي يجددون أسبابا يقضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك؛ لأجل عدمه منها قبل ذلك, لا لأنها شرع مجدد. فلا نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان, بل باختلاف الصورة الحادثة" [1] .

وهذا واضح الدلالة على أن الأنماط السلوكية غير السوية - إذا ظهرت - قد تقتضي معالجتُها سنَّ أحكام جديدة تقدر لها بقدرها ولِحين ارتفاعها.

ولم يُذكر أن أحدا من الصحابة أو غيرهم أنكر على السيدة عائشة استنتاجها هذا من الناحية المبدئية التقعيدية, وإن كانوا لم يأخذوا به عمليا في تلك الحالة التي عَنَتْها, مما يدل على أن المبدأ مُسَلَّم, وأما التطبيق والتنزيل, فقد يختلف فيه التقدير والاجتهاد حسب كل حالة.

... ومن هنا رأى بعض العلماء أن القاعدة يمكن أن تطبق تطبيقا خاصا - لا عاما - في مثل الحالة التي عنتها السيدة عائشة , فلا تعمم ما دام الخلل غير عامٍّ. قال ابن حجر:"فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن, فإن تَعَيَّن المنعُ فليكن لمن أحدثت" [2] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البحر المحيط في أصول الفقه 1/ 130 - 131، تحقيق محمد محمد تامر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1421 هـ/2000 م.

[2] فتح الباري 2/ 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت