فهرس الكتاب

الصفحة 2760 من 19081

فمعنى القاعدة أن عوائد كل أمة أو مَصرٍ, لا يُعَمَّمُ حكمها ولا ينبني عليها لزوم ولا وجوب ولا تحريم, إلا أنها إذا تضمنت جلب مصلحة أو درء مفسدة من مرتبة الضروريات أو الحاجيات, مما يشترك الناس فيه, فإنها حينئذ تستوجب الحكم بما يناسبها من إيجاب أو تحريم.

... ولا يخفى أن القاعدة بهذا المعنى مردها إلى القول بالمصلحة والعمل بالمصلحة, مما بيناه في قواعد سابقة, مثل قاعدة (وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد) , وقاعدة (الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد) , وقاعدة (الفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت) .

... وخصوصية هذه القاعدة هي أنها تتعلق بنوع معين من المصالح والمفاسد, وهو الذي تكشف عنه التجربة والممارسة الفعلية, لبعض الأقوام والشعوب. فهي مصالح أو مفاسد تثبت بواسطة التجربة والسلوك الفعلي, الذي يستقر ويستمر حتى يصبح في حكم العرف والعادة. وهو ما يمَكِّن من الحكم على الفعل ومدى نفعه أو ضرره بشكل قاطع. فالمرجع هنا هو تجارب الأمم والشعوب, سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة.

... وللقاعدة أيضا علاقة وثيقة بما قدمناه في قاعدة سابقة, وهو أن (مصالح الدنيا ومفاسدها تعرف بالتجارب والعادات) . على أن المصالح المقصودة هنا إنما هي المصالح الدنيوية, دون الأحكام الدينية والأخروية. يقول شاه ولي الله الدهلوي:"اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا بخبر النبي صلى الله عليه وسلم, بخلاف المصالح, فإنها قد تُدرَك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك" [1] .

وإذا كان ا لدهلوي قد اكتفى بتقرير ما تثبت به المصالح الدنيوية من طرق - ومنها طريق التجربة - ولم يرتب أي حكم شرعي فيما يقتضيه ثبوتها, فلعل ذلك راجع إلى أن سياقه لم يكن ملتفتا إلى ذلك. فمن هنا بقي كلام ابن عاشور متميزا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حجة الله البالغة لشاه ولي الله الدهلوي 1/ 411، تحقيق محمد عثمان ضميرية - مكتبة الكوثر للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى 1420/ 1999.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت