وقد تحدث ابن عاشور عما سماه"المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها" [1] , فجعل الخامس منها:"القصص وأخبار الأمم السالفة, للتأسي بصالح أحوالهم ... وللتحذير من مساويهم ..." [2] .
... والحقيقة أنه لا معنى للاستفادة والاعتبار من أحوال الأمم قديمها وحديثها, إذا لم نقم بدراسة تلك الأحوال, لنستخلص منها دروسها وعِبَرها. كما لا معنى لاستخلاص تلك العبر والدروس, إذا لم يكن لذلك ثمرة وأثر فعلي في حياتنا.
ولقد كانت فكرة الاعتبار - أي أخذ العِبَر- من أحوال الأمم حاضرة واضحة عند عدد من المؤرخين المسلمين, حتى ظهرت على عناوين كتبهم.
-فالفيلسوف المؤرخ أبو علي أحمد مسكويه سمى كتابه (تجارب الأمم وعواقب الهمم) .
-وابن خلدون سمى كتابه (كتاب العبر ... ) .
-و المقريزي سمى كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) .
والمقصود في هذه القاعدة هو أن يكون هذا الاتعاظ والاعتبار حاضرا ومعتبرا عند الفقهاء وفي اجتهادات الفقهاء, على نحو ما استنبطه الفقيه"المهَلَّب بن أبي صفرة", تعليقا على حديث أم زرع وما فيه الفوائد [3] حيث قال:"فيه جواز نقل الأخبار عن حسن المعاشرة وضربِ الأمثال بها, والتأسى بأهل الإحسان من كل أمة. ألا ترى أن أم زرع أخبرت عن أبى زرع بحُسن عشرته, فتمثله النبي عليه السلام" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] التحرير والتنوير 1/ 39 نشر دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1997 م.
[2] التحرير والتنوير 1/ 41.
[3] حديث أم زرع أخرجه الإمام مسلم، وفيه تروي عائشة رضي الله عنها قصة إحدى عشرة امرأة في الجاهلية، اجتمعن واتفقن على حكاية أحوالهن مع أزواجهن، وكانت أسعدَهُنَّ بزوجها وبصفاته الكريمة زوجة أبي زرع، التي سمي الحديث باسمها. وفي آخر الحديث: قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع". وفي رواية:"إلا أنه طلقها وإني لا أطلقك".
[4] شرح صحيح البخاري لابن بطال 13/ 297.