فهرس الكتاب
واجتناب نواهيه, فلا تزيده معرفة مصالح الأحكام إلا إيمانًا بربه, وتصديقًا بوعده, وتعبدًا له بالتزام أحكام شرعه, وألا تنفصم العلاقة بين ما هو تعبدي وما هو مصلحي, فالمكلف في كل حالاته يأتي بعباداته ومعاملاته وعاداته تعبدًا وامتثالًا لأمر الله تعالى, علم المصالح المترتبة عليها أو لم يعلم, وذلك تحقيقًا لمقتضيات الاستخلاف في الأرض؛ كما قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 61] .
ولهذا كان من أهم ما ربطه الشاطبي بهذه القاعدة وبناه عليها: مسألة حق الله تعالى, وحق المكلف, وذلك بقوله:"فكل حكم شرعي ليس بخالٍ عن حق الله تعالى, وهو جهة التعبد, فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا, وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق, فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردًا فليس كذلك بإطلاق, بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية."
كما أن كل حكم شرعي ففيه حق للعباد: إما عاجلًا وإما آجلًا, بناءً على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد, ولذلك قال في الحديث:"/حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا ألا يعذبهم /", وعادتهم في تفسير"حق الله"أنه ما فهم من الشرع أنه لا خيرة فيه للمكلف, كان له معنى معقول أو غير معقول,"وحق العبد"ما كان راجعا إلى مصالحه في الدنيا, فإن كان من المصالح الأخروية, فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق لله, ومعنى"التعبد"عندهم أنه ما لا يعقل معناه على الخصوص, وأصل العبادات راجعة إلى حق الله, وأصل العادات راجعة إلى حقوق العباد". [1] "
بقيت الإشارة إلى: أن هذه القاعدة أعم من القاعدة الأصولية:"كل تكليف لا يخلو عن التعبد", وذلك أن كل أحكام الشريعة وإن كانت لا تخلو من شائبة التعبد؛ فإن ما كان منها تعبديًا محضًا فلا تفريع فيه, وما كان منها معقولًا ففيه التفريع, ولا بد فيه من اعتبار التعبد على المعاني التي سبق بيانها للتعبد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المصدر السابق 2/ 317 - 318.