إنه يجب على القاضي ألا يقضي حال الغضب امتثالًا لنهي الشارع عن القضاء في حال الغضب, وهذه حالة التعبد المحض. أو يقال: إن الغضب يفسد الفكر ويشوش العقل ويغير الحال, فلا يؤمن عليه في الحكم, وهذه حالة الالتفات إلى المعنى, ويدل اجتماعهما وعدم تنافيهما على أنه لا بد من اعتبار التعبد في الأحكام المعقولة والتعبدية, وأن ما كان تعبديًّا فلا تفريع عليه. [1]
2 -من أبرز تطبيقات القاعدة: ما ذكره الشاطبي عن قاتل العمد من أنه إذ عُفيَ عنه ضُرِب مئة وسُجِن عامًا, فعلى الرغم من أن العفو أو القصاص حق العبد, فإن قاتل العمد يُعاقب بهذه العقوبة رعاية لحق الله تعالى وهو ما يُسمى"الحق العام"حسب الاصطلاح القانوني, وفي المسألة دليل على اعتبار التعبد وإن عقل المعنى الذي لأجله شرع الحكم [2] , وكذلك عدم التفريع على ما ثبت فيه التعبد, فالشارع أجاز عفو أهل الدم عن القاتل, ولهم الدية إن أرادوا, ولا يقاس عليه غيره من الحدود كالقتل والسرقة.
3 -الحدود إذا بلغت السلطان فيما سوى القصاص؛ كالقذف والسرقة, لا عفو فيه وإن عفا من له الحق؛ لأن التعبد هنا معتبر وإن عقل المعنى الذي لأجله شرع الحكم [3] , ويتضح في هذا التطبيق شق القاعدة الأول كذلك, فما ثبت فيه اعتبار التعبد فلا تفريع فيه, وذلك من حيث إنه لا يمكن قياس القذف والسرقة على القصاص من ناحية سقوط العقوبة.
4 -حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر وتضييعه من غير مصلحة؛ ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه [4] ؛ لأن المال وإن كان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 314.
[2] انظر: الفروق للقرافي 1/ 325، الموافقات 2/ 315 - 316.
[3] الموافقات 2/ 315.
[4] الفروق للقرافي 1/ 325.