فهرس الكتاب
-القياس بمعنى القاعدة العامة (الحكم الشرعي الكلي) : وهذا المعنى هو المراد في سياق المعدول به عن سَنن القياس في استعمال الفقهاء و الأصوليين [1] , فالقياس في استعمالات العلماء في هذا السياق [2] أعم من أن يكون مرادًا به
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] من الحق أن عبارة: (على خِلاف القياس) الواردةَ على لسان الفقهاء: ليس واضحا منها إرادةُ القياس الفقهي؛ المعروف بقياس التمثيل بنوعيه الطرديِّ والعكسيِّ؛ بل المراد من القياس فيها: الأصل المطَّرِد والقاعدة الكلية المستمرةِ مراعاتُها في جزئيات التشريع جميعها أو أكثرها؛ من مثل: رفع الضَّرَر، ومنع الغَرَر، ومنع الجهالة المفضية إلى المنازعة ... وغير ذلك من الأصول المذكورة في فن القواعد الفقهية؛ ودليل هذا التفسير لمصطلح القياس في هذا السياق ما يلي: أولا: تصريح بعض الفقهاء بتفسير هذا القياس بالقاعدة المستمرة في الشرع: انظر في ذلك: فتح القدير لابن الهمام 2/ 340، تبيين الحقائق للزيلعي 1/ 328. ثانيا: تفسير الفقهاء لهذا القياس بالأصل العامِّ والحكم الكلي: ذلك أن الفقهاء فسروا المراد من القياس فيما ورد على خلافه بالأصل العام والقانون الكلي؛ ومن ذلك: قولهم: الإجارة خارجة عن القياس؛ فإنا لم نجوز المعاملة بموجود لمعدوم لغرر متوقع؛ إذ محل البيع مال متقوم مملوك مقدور التسليم، والتقوم إنما يعتمد الوجود؛ لأنه يثبت بالإحراز. فأنت ترى القياس هنا هو منع الغرر الواقع من العقد على معدوم، وهو أصل كلي من أصول المعاملات. كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 3/ 338، البحر المحيط للزركشي 7/ 122، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 89. وقولهم: السلم خارج عن القياس؛ لأنه معاملة موجود بمعدوم، ففيه غرر وجهالة. البحر المحيط للزركشي 7/ 122. وقولهم: الشفعة ثبتت على خلاف القياس؛ إذ الأخذ بالشفعة تملك مال معصوم بغير إذن مالكه. بدائع الصنائع للكاساني 5/ 17. وكذلك التوكيل بالشراء ثبت على خلاف القياس: لكونه أمرا بالتصرف في مال الغير. بدائع الصنائع للكاساني 6/ 27 ... وغير ذلك كثير. ومع ذلك: فتفسير القياس في هذا السياق بقياس التمثيل له أيضا حظ من النظر، فإن بعض صور ما ورد على خلاف القياس إنما جاء خلافا لقياس التمثيل المعتمد على إلحاق فرع بفرع منصوص عليه في الحكم بجامع العلة، ثم خص المقيس بحكم آخر بنص أو إجماع، كمسألة نضح الماء على بول الصبي، كما أن تفسير القياس بالأصل الكلي والقاعدة المستمرة فيه أيضا لمح لمعنى القياس؛ إذ إنه مبني على إلحاق فرع بأصل إلا أن الأصل فيه قضية شرعية كلية.
[2] من قرائن استخدام القياس بمعنى القاعدة الكلية المستمرة ما يلي: - أن يكون القياس في مقابَلَةِ الاستحسان؛ من ذلك ما نقل عن أبي حنيفة أنه قال - فيمن أكل ناسيًا: (لولا الرواية لقلت بالقياس) . كشف الأسرار 2/ 559، طبقات الحنفية 2/ 417، الإنصاف للدهلوي ص 92، فالقياس مراد به هنا القاعدة المقررة في الصوم، وهي أن الصوم ينتفي بانتفاء ركنه وهو الإمساك، ومن هذا القبيل أقوال الفقهاء (القياس أن لا يجوز بيع المعدوم) و (القياس أن الضرورات تبيح المحظورات) أي: القاعدة المستمرة في كل ذلك، وقد قيل في ذلك: (المستحسنات كلها معدول بها عن القياس؛ لمخالفة القياس الظاهر إياها؛ إذ الاستحسان لا يذكر إلا في مقابلة القياس) كشف الأسرار 3/ 341. - أن تكون مخالفة القياس سببها الحاجة عامَّةً كانت أو خاصة: فإن أكثر ما وصفه الفقهاء بأنه مشروع على خلاف القياس من الأحكام الشرعية مبنيٌّ على الحاجة؛ فعلى سبيل المثال: فإن بطلان بيع المعدوم ثابت بالحديث، وهو أمرٌ متَّفَق عليه بين الفقهاء، ولكن جُوِّزَ في الإجارة والسلم بالنص، وفي الاستصناع بالتعامل، لكون حاجات الناس منوطة بهذه الأصناف من التعامل. انظر: شر