ومعنى هذه القاعدة: أن المباحات كالأكل والشرب والنوم والحركة ونحوهامما لا يتعلق بفعلها ثواب ولا بتركها عقاب باعتبار الأصل, فإنها تنقلب إلى عبادات يحصل بها الأجر والثواب إن اقترنت بنية التقرب إلى الله تعالى.
فالمقرر أن المباحات مبناها على الحل إلا بدليل, وهذا مخرج على قاعدة [الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم] [1] والمباح في ذاته لا يثاب العبد على فعله ولا يعاقب على تركه [2] , والإنسان في حياته يتقلب بين عبادة وعادة, والوقت الذي يقطعه غالبا في مزاولة العادات التي مبناها على الإباحة أكثر من الأوقات التي يقطعها في مزاولة العبادات, لكن لو حقق هذه القاعدة لصارت أوقاته كلها عبادات, فما عليه إلا أن يستشعر جانب التعبد قبل مزاولة المباح [3] أو في أثناء مزاولته, فإذا فعل ذلك فإن الأعمال المباحة تنقلب إلى عبادة, فكل ما يقصده العباد من الأفعال أو التروك إذا تحققت فيه النية الحسنة [4] فإنه يكون قربة وطاعة [5] . ويترتب على ذلك أن العمل المباح إذا أوقعه المكلف مجردا عن النية حتى فرغ منه بقي على أصله أنه عمل لا ثواب عليه ولا عقاب, وإذا كان الباعث على إيقاع المباحات غرضا غير مقصود شرعا ثم عرض لقلب الفاعل غرض صحيح ونية صالحة تنقلب المباحات إلى عبادة من حين قلب نيته [6] إذ المباحات يغتفر فيها ما لا يغتفر في العبادات [7] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 60.
[2] الورقات للجويني ص 8.
[3] انظر: تحرير القواعد ومجمع الفرائد تأليف / وليد بن راشد السعيدان 2/ 171 [النسخة الإلكترونية] .
[4] النية الصالحة هي الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى، وامتثالا لحكمه. غمز عيون البصائر للحموي 1/ 197.
[5] انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية لليوبي ص 377 [النسخة الإلكترونية] .
[6] بخلاف العبادات، حيث لابد من وجود النية من بداية الفعل إلى نهايته، فمثلا: لا يصح من الكافر نية صوم التطوع بعدما أسلم قبل الزوال؛ لأنه ما كان أهلا للعبادة في أول النهار فلا يتوقف إمساكه على أن يصير عبادة بالنية قبل الزوال. المبسوط للسرخسي 4/ 69.
[7] إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 182.