العمل لا تكون مؤثرة, ولا عبرة بها في أحكام الشرع ما لم يتصل بها الفعل؛ لأن النية عمل قلبي والأحكام الشرعية مبناها على الأعمال الظاهرة, وبذلك فلا خلاف في القاعدة, ولا تعارض بينها وبين ما ورد في الصيغة الثالثة من القواعد ذات العلاقة:"مجرد النية لا عبرة به في الأحكام" [1] لأن المقصود بها أحكام الدنيا, وهذا ما عبر عنه ابن حزم بقوله:"مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع ما لم يتصل به الفعل" [2] وكذلك ذكرها الكاساني بقوله:"مجرد النية في المعاملات غير معتبر". [3] فمن نوى قربة فلا تلزمه بمجرد النية إلا أن يقارنها قول كالنذر أو الشروع في العمل, ومن نوى الطلاق لا يقع طلاقه بمجرد النية إذا تجردت عن الكلام أو الفعل. [4]
أما ما ورد عن ابن حزم من قوله: (كل عمل خلا من نية, أو كل نية خلت من عمل, فكل ذلك فاسد) [5] فهو غير مطرد عنده, بدليل أنه جعل من تلفظ بكلمة الإيمان ولم ينو الإيمان مؤمنا, ومن نوى الإيمان ولم يتلفظ به عده كافرا. [6]
ومما ينبغي التنبه إليه أن حقوق العباد لا تسقط عن المكلف بنيته, فمن كان عليه دين مثلا وسعى في قضائه ولم يستطع فإنه لا يأثم بذلك بل يؤجر على نيته, لكن لا يسقط عنه الدين بمجرد نيته. كذلك يجب التنبه إلى أن المقصود بالقاعدة توضيح أفضلية النية على العمل, وليست دعوة لترك العمل والاكتفاء بالنية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني 2/ 20.
[2] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 5/ 141.
[3] بدائع الصنائع: 3/ 294.
[4] انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني: 9/ 371، المبسوط للسرخسي 1/ 239، 2/ 1998، بدائع الصنائع للكاساني: 2/ 20، 2/ 147، 3/ 294، النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: 2/ 25، مواهب الجليل للحطاب: 8/ 46، شرح مختصر خليل للخرشي: 2/ 272، منح الجليل للشيخ عليش: 8/ 235، موسوعة القواعد الفقهية للبورنو: 1/ 158.
[5] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 5/ 141.
[6] انظر الإحكام في أصول الأحكام: 5/ 140.