وهذه القاعدة ليست على إطلاقها, بل هي مقيدة بما يلي:
أولًا: إمكان تنفيذ اللفظ الصريح في بابه وإعماله فيه [1] , وقد ذُكر هذا القيد في الصيغ الثلاث الأولى من الصيغ الأخرى للقاعدة, ووضحه الفقيه شمس الدين الرملي بقوله:"الصريح في بابه إنما يمتنع أن يكون كناية في غيره إذا وجد نفاذًا في موضوعه" [2] , أي:"أمكن تنفيذه صريحًا" [3] , وذلك احترازًا عما إذا كان اللفظ صريحًا في بابه, و لم يجد نفاذًا فيه, فإنه ينصرف إلى غيره بالنية, ويكون كناية إذا استعمل في غير بابه؛ كأن يقول الرجل لزوجته:"أنت حرة", وينوي بذلك الطلاق, فإنه يقبل ويكون طلاقًا؛ لأن لفظ"حرة"صريح في إزالة قيد الملك, لكنه هنا لم يجد نفاذًا في بابه, وهو إزالة قيد الملك؛ لأن الزوج لا يملك زوجته ملك الرقيق, فجعل كناية في الطلاق [4] ؛ تصحيحًا للّفظ عن الإلغاء.
ثانيًا: ألا توجد قرينة أو بينة تصرف الصريح عن بابه, فإذا وجد أحدهما جاز صرفه عن بابه؛ كما قال التسولي المالكي:"الصيغة الصريحة في بابها لا تنصرف لغيرها إلا ببينة أو قرينة" [5] , وقال الدسوقي:"الصريح لا ينصرف للغير"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ذكر الفقهاء فروعا استثنيت من القاعدة؛ والسبب في كثير منها عدم مراعاة هذا القيد، ومن ذلك قولهم: لو قال لزوجته: بعتك نفسك، فقالت: اشتريت، فتعتبر كناية في الخلع، مع أن البيع صريح في بابه، وعند التأمل يتبين أن هذه الصورة خرجت عن القاعدة بالقيد المذكور:"الصريح في بابه إنما يمتنع كونه كناية في غيره، إذا وجد نفاذًا في موضوعه"؛ فالبيع هنا لم يجد نفاذًا في موضوعه، ولذلك كان كناية في غيره، كما صرح بذلك السيوطي وغيره. انظر: الأشباه للسيوطي ص 295، تحفة المحتاج للهيتمي 7/ 479، مغني المحتاج للشربيني 4/ 440.
[2] نهاية المحتاج للرملي 5/ 255.
[3] المنثور للزركشي 2/ 311، وفسره في حاشية إعانة الطالبين للدمياطي 3/ 242 بقوله:"طريقا في استعماله في موضوعه".
[4] انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 251، الأشباه والنظائر لابن الملقن 2/ 84، القواعد للحصني 1/ 400. وانظر هذا الفرع عند الفقهاء في: بدائع الصنائع للكاساني 4/ 54، التاج والإكليل للمواق 5/ 333، حاشية شرح البهجة الوردية لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري 3/ 303.
[5] البهجة في شرح التحفة للتسولي 2/ 289.