نية [1] , كما أن من علم الكفر لا يكفر, ولو نواه كفر, والمسافر إذا علم الإقامة لا يصير مقيما, ولو نواها يصير مقيما.
والعلم بالمنوي الذي هو شرط من شروط النية يشمل العلم بحقيقته, سواء كان المنوي قولا أو فعلا, كما يشمل العلم بحكمه الشرعي, وقد عبر البعض عنه بأن من شروط النية: العلم بالمنوي مطابقا للواقع [2] فمن أراد الوضوء مثلا لزمه معرفة أجزائه وكيفيته, ولزمه كذلك معرفة حكم الشارع فيه, ومن أجل ذلك صرح العلماء بأنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم الشرعي له؛ لأنه لا عمل إلا بنية, ولا تصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة حكمه [3]
والنية محلها القلب, ولا يشترط نطق اللسان بها؛ فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاق العلماء [4] , وهذا أثر من آثار هذه القاعدة وتطبيق من تطبيقاتها؛ إذ المشترط العلم بالمنوي لا نطق اللسان به, وأما مشروعية نطق اللسان فمحل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من استحبه [5] ومنهم من حكم ببدعيته [6] , ولذلك فإن فهم هذه القاعدة يعين على دفع الوسوسة التي قد تصيب البعض في العبادات وغيرها.
والقاعدة متكاملة مع القاعدة الكبرى"الأعمال بالنيات"؛ إذ الإنسان لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جاء في حاشية ابن عابدين 1/ 415 ما نصه: ليست النية مطلق العلم بالمنوي، أي سواء كان مع قصد وإرادة جازمة أو لا، وهذا رد على ما (ورد) عن محمد بن سلمة من أنه إذا علم عند الشروع أي صلاة يصلي فهذا القدر نية وكذا في الصوم كما أوضحه في الدرر، قال في الأحكام لكن في المفتاح وشرح ابن ملك أن مراد ذلك القائل أن من قصد صلاة فعلم أنها ظهر أو عصر أو نفل أو قضاء يكون ذلك نية، فلا يحتاج إلى نية أخرى للتعيين إذا وصلها بالتحريمة.
[2] إيضاح القواعد للحجي ص 18.
[3] انظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني 1/ 18؛ المعتمد لأبي الحسين البصري 2/ 333.
[4] انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 1/ 213.
[5] يقول الإمام الغزالي رحمه الله:"ثم هذه النية محلها القلب، وليس فيها نطق ونظم حروف لا بالقلب ولا باللسان، نعم يستحب مساعدةُ اللسان القلبَ فيها. الوسيط 2/ 89."
[6] انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 1/ 213؛ زاد المعاد لابن القيم 1/ 201.