فهرس الكتاب
خلاف ما كان يرجوه منه, وذلك كمن وهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة, فإن أصل الهبة - كما يقول الشاطبي - على الجواز, ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا, فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة, فإذا جمع بينهما على هذا القصد, صار مآلُ الهبة المنعَ من أداء الزكاة, وهو مفسدة [1]
وبيان وجه مناقضة هذا الفعل للقصد الشرعي أن المقصود من الهبة التي ندب الشرع إليها إرفاق المساكين وتطهير النفس من الشح, أما هبة المال قرب نهاية الحول فرارا من الزكاة ففيها تقوية لرذيلة الشح وحرمان الفقراء من حقهم [2] وينبغي على المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصد الشارع في التشريع, فلما ناقض المتحايل مقصود الشارع فقصد من العمل مقصدا يخالفه عامله الشرع بنقيض قصده.
واستخدام الحيل للتوصل إلى المقصود الفاسد خلق من أخلاق اليهود, ومن حيلهم ما ذكره الله تعالى في كتابه من قصة اعتدائهم في السبت؛ لأنهم قد نهوا عن صيد البحر يوم السبت, فكانت الحيتان لا تأتيهم إلا في هذا اليوم؛ فتنة لهم, فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شباكهم يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد, فعوقبوا بنقيض قصدهم الفاسد فلعنوا وعذبوا على ذلك, ومن ذلك ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بقوله:"قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 4/ 201.
[2] انظر: نظرية التعسف في استعمال الحق للدريني ص 203.
[3] رواه البخاري 4/ 170 (3460) ؛ ومسلم 3/ 1207 (1582) / (72) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروياه أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنها، وقوله:"فجملوها"قال الحافظ ابن حجر في الفتح 4/ 484 (2223) : بفتح الجيم والميم، أي أذابوها. يقال: جمله إذا أذابه. والجميل: الشحم المذاب.