أعلاها" [1] , ثم مثل لذلك في موضع آخر فقال:"إذا أكل المضطر الطعام ووجبت إزالة ملكه عنه للضرورة, فهل بغير عوض, وهو سقوطه بالكلية, أو بعوض وهو السقوط من وجه, وإذا أدى مالا عنه, ونازعه في التبرع به؛ صدق في عدم التبرع؛ لأنه إسقاط للملك من وجه" [2] ."
وإعمال هذه القاعدة مقيد بألا يقصد الدافع أو الباذل بفعله التبرع والإحسان, أما من قصد التبرع فليس له الرجوع بذلك عليه؛ إذ"لا رجوع في التبرعات" [3] .
والقاعدة محل خلاف بين الفقهاء, ولم نقف عليها بلفظها إلا عند المالكية, وهم أوسع الناس إعمالا لها, وذلك لأن الأصل عندهم في هذا الباب هو أن"كل عمل يوصل للغير نفع مال أو غيره, بأمره أو بغير أمره, فعليه رد مثل ذلك المال في القيام بالمال, ودفع أجرة المثل في العمل, إن كان لا بد من الاستئجار عليه, أو لا بد من إنفاق ذلك المال" [4] , فهم لا يشترطون الإذن في ذلك, بل"شرط الغرم: أن يكون المعمول له لا بد له من عمله بالاستئجار أو إنفاق المال, أما إن كان شأنه فعله إياه بغير استئجار بنفسه أو بغلامه, وتحصل تلك المصلحة بغير مال؛ فلا غرم عليه" [5] , وأما الحنفية فالأصل عندهم أن"كل من أدى دين غيره بدون إذنه فهو متبرع, لا رجوع له" [6] , ووافقهم الشافعية فقالوا:"لو أدى دين غيره بلا إذن برئ, ولا رجوع له" [7] , وعلى هذا فالعبرة عند الحنفية والشافعية عند وقوع النزاع في كون العمل وقع على سبيل المعاوضة أم التبرع بوجود الإذن, فيرجع إن أذن له, وإلا فلا. وإذا وقع الشك في حصول الإذن فالأصل عدمه,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الذخيرة للقرافي 6/ 328.
[2] الذخيرة للقرافي 11/ 133.
[3] تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 129.
[4] الذخيرة للقرافي 5/ 453.
[5] تهذيب الفروق لمحمد علي المالكي 3/ 219.
[6] الفرائد البهية للحمزاوي ص 34. ووردت في المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 1089 بلفظ:"كل من أدى حقًا عن الغير بلا إذن أو ولاية، فهو متبرع، ما لم يكن مضطرًا". ووردت في منحة الخالق لابن عابدين 3/ 152 بلفظ:"من أدى دين غيره بغير أمره لا يرجع عليه بما أدى".
[7] المنثور للزركشي 1/ 157.