والتعدي سبب موجب للعقوبة والضمان مطلقا, سواء كان التعدي بطريق المباشرة أو التسبب, أو بطريق التعمد أو الخطإ,"فمتى وجد التعدي لا ينظر بعد ذلك إلى التعمد والقصد" [1] .
ومعنى القاعدة أن: من تسبب في إتلاف نفس أو عضو أو مال, فطالبه المجنيُّ عليه بالضمان, وادعى أنه كان متعديا في فعله, وأنكر المدعى عليه التعدي, فالقول فيه قول المنكر, وكذلك من اؤتمن على شيء فتلف أو ضاع منه, فوقع الاختلاف في وجود التعدي الموجب للضمان, فالقول فيه لمنكر التعدي حتى يثبت خلافه؛ فلا يؤاخذ المتهم, ولا يطالب بالضمان حتى تثبت إدانته؛ فمن استأجر سيارة فتلفت جرّاء إصابتها بحادث, فادعى صاحبها أن الحادث إنما حصل بسبب التعدي بتجاوز السائق للسرعة القانونية, وأنكر المستأجر ذلك, فالقول فيه قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم التعدي.
هذا إذا كان الخلاف في وقوع التعدي من عدمه, أما إذا كان الخلاف في الفعل الواقع هل هو من باب التعدي أم لا؟ فإنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة أولًا؛ كما قال الموفق ابن قدامة في مسألة ضمان الراعي:"إن فعل فعلًا اختلفا - أي الراعي مع رب الأغنام - في كونه تعديا, رجع إلى أهل الخبرة" [2] . لكن عند عدم إمكان الرجوع إلى أهل الخبرة فإن القول يكون قول المنكر للتعدي؛ قال الإمام النووي:"ومتى اختلفا في التعدي ومجاوزة الحد عملنا بقول عدلين من أهل الخبرة, فإن لم نجدهما فالقول قول الأجير" [3] .
وهذه القاعدة قسيمة لقاعدة"الأصل عدم التفريط", ومكملة لها؛ فالتعدي والتفريط هما السببان الرئيسان للضمان, والفرق بينهما هو أن"التفريط ترك ما يجب من الحفظ, والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات والاستعمالات" [4] ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 1047.
[2] المغني لابن قدامة 5/ 316.
[3] روضة الطالبين للنووي 5/ 229.
[4] القواعد والأصول الجامعة للسعدي ص 122.