كما يشترط للعمل بالظن الغالب أن لا يعارضه ما هو أقوى منه, مثل الدليل الظاهر؛ فإن عارضه فلا يلتفت إلى الظن الغالب عندئذٍ, ولذلك قرر الفقهاء أنه///"لا معتبر بأكبر الرأي عند وجود الدليل الظاهر".
وكذلك جواز الرجوع إلى الظن الغالب مقيد بعدم القدرة على اليقين, أما حيث قدر على اليقين فيجب الرجوع إليه وترك الظن [1] . قال ابن الهمام - رحمه الله تعالى.:"المصير إلى الدليل الظني وترك القاطع - مع إمكانه - لا يجوز" [2] . وقال في الروضة الندية:"وعليه استقبال عين الكعبة إن كان مشاهِدًا لها - أو في حكم المشاهد وجوبًا؛ لأنه قد تمكن من اليقين, فلا يعدل عنه إلى الظن" [3] , كما سبق في القواعد ذات العلاقة:"القادر على اليقين لا يعمل بالظن".
كما أن الظن المعتبر هو ما لم يتبين خطؤه, أما الذي بان خطؤه فقد زال اعتباره شرعًا, وبطل ما بني عليه - في الجملة - كما تدل عليه القاعدة الأخرى:"لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه", فمثلًا: من كان محبوسًا أو كان في بعض النواحي النائية عن الأمصار, أو بدار حرب بحيث لا يمكنه التعرف على الأشهر بالخبر واشتبه عليه شهر رمضان: فقد اتفق الفقهاء على أنه يجب عليه التحري والاجتهاد في معرفة شهر رمضان؛ لأنه أمكنه تأدية فرض بالتحري والاجتهاد, فلزمه كاستقبال القبلة, فإذا غلب على ظنه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه, ثم إن تبين أنه صام شهرًا قبله, فذهب الأئمة الثلاثة, والشافعية - في الصحيح من المذهب - وكذلك الزيدية إلى أنه لا يجزئه؛ لأنه أدى العبادة قبل وجود سبب وجوبها فلم تجزئه كمن صلى قبل الوقت [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر قاعدة"القادر على اليقين لا يعمل بالظن"، في قسم القواعد الفقهية.
[2] فتح القدير لابن الهمام 1/ 189.
[3] الروضة الندية للعاملي 1/ 258.
[4] وعند الشافعية قول في القديم في حالة تبين الأمر بعد رمضان أنه يجزئ، لأنه عبادة تفعل في السنة مرة، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ. انظر: الموسوعة الفقهية 10/ 192. وراجع أيضًا التاج المذهب للعنسي 1/ 243.