فهرس الكتاب
وهذه القاعدة منبثقة من القاعدة الشهيرة عند الفقهاء:"اليقين لا يزول بالشك"ومندرجة تحتها, كما أشار إلى ذلك غير واحد ممن ألفوا في القواعد الفقهية وأوردوها في كتبهم [1] , ووجه اندراجها تحت القاعدة المذكورة: أن حدوث الأمر في الزمن الأقرب هو المتيقَّن, ووجوده في الزمن البعيد, مشوك فيه, فيؤخذ بالمتيقن, وهو القريب, ويترك المشكوك فيه, وهو البعيد, ما لم يثبت خلافه, وهذا ما تفيده القاعدة الكبرى. ولهذه القاعدة علاقة أيضًا بالقاعدة الأخرى:"الأصل في الصفات العارضة العدم", وبيان ذلك: أن الحادث - الذي هو موضوع البحث هنا - من الصفات العارضة أيضًا؛ لأنه كان غير موجود ثم وجد, إلا أن تلك القاعدة يستند إليها عند الاختلاف في ذات الصفة وجودًا وعدمًا, وهنا وجود الحادث متفق عليه, والاختلاف في زمان حدوثه, فكما أن القول هناك قول من ينفيه؛ لأن الأصل فيه العدم, كذلك القول هنا قول من يضيفه إلى أقرب الأوقات إلى الحال؛ لأن الأصل فيه الحدوث [2] .
وهذه القاعدة, وإن كان لفظها عامًا, وتجري في أبواب مختلفة, إلا أن مجالها الأساس هو الحوادث التي يقع النزاع في تحديد تاريخها, أو يكون الحكم فيها مرتبطًا بذلك التاريخ, فإذا وقع التنازع في تاريخ الحادث, يحمل على الوقت الأقرب إلى يوم التداعي والنزاع حتى يثبت الأبعد؛ لأنه قد اتفق الطرفان على وجود الحادث فيه, وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك, والآخر ينكر دعواه, والقول للمنكر إلا أن يأتي المدعي ببينة [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فقد ذكرها كل من السيوطي وابن نجيم ضمن القواعد المتفرعة عن قاعدة اليقين لا يزول بالشك وقد نص على ذلك آخرون أيضًا. انظر - مثلًا: أشباه السيوطي ص 59؛ أشباه السيوطي ابن نجيم ص 84؛ مختصر من قواعد العلائي وكلام الإسنوي 2/ 926؛ القواعد الفقهية للندوي ص 392؛ قاعدة اليقين لا يزول بالشك للباحسين ص 107؛ الوجيز للبورنو ص 187.
[2] انظر: شرح المجلة للأتاسي 1/ 33.
[3] انظر: شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 125؛ المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 970 - 971؛ نظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي ص 165.