من قبلنا من بني إسرائيل, ونحو ذلك, فهذا الذي ورد الدعاء بدفعه في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [سورة البقرة: 286] [1] .
و استعمالات الفقهاء لهذه القاعدة تدل على أنهم يريدون بعدم التكليف بما لا يطاق وما ليس في الوسع هذين النوعين من التكاليف, أي ما كان مستحيلًا أصلًا, أو كان قريبًا من المستحيل, بحيث يلحق المكلف بسببه مشقة لا تُتحمل عادة, وإن كان الفعل ممكنًا, مثل فرض خمسين صلاة في اليوم والليلة بدل الخمس [2] , فإن هذين النوعين لم يرد بهما التكليف في شرعنا ابتداءً, أما المشقة التي هي أقل درجة من هاتين الدرجتين فلا تدخل في هذه القاعدة, وهي المشقة التي تطاق ويمكن احتمالها في الجملة, لكن فيها شدة بحيث تشوّش على النفوس في تصرفها, وتقلقها في القيام بما فيه تلك المشقة, ويكون الإنسان معها في ضيق وحرج, فلا يشعر بالراحة لخروج المشقة عن المعتاد في الأعمال العادية [3] .
وبناءً على ما تقدم فإن هذه القاعدة أخص من قاعدة رفع الحرج؛ لأن قاعدة رفع الحرج تعم رفع جميع أنواع الضيق والمشقة غير المعهودة عن المكلفين [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري 8/ 270. وراجع أيضًا: روضة الناظر لابن قدامة 1/ 53.
[2] انظر: تفسير القرطبي 3/ 427.
[3] وهذا النوع من المشقة قد يكون في الأصل من المشقة العادية التي لا تخلو منها معظم التكاليف والعبادات، لكن إذا تكرر ودام جاء بسببه الحرج فشرع فيه الرفق والتخفيف. انظر: الموسوعة الفقهية 14/ 221.
[4] علمًا بأنه يفهم من أقوال بعض الفقهاء أنهم لا يفرقون بين قاعدة رفع الحرج وبين هذه القاعدة، من ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"قال ابن الأنباري ى قوله: {وَلاَتُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [سورة البقرة: 286] أى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تَجشُّم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول للرجل: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه ثقيل عليه النظر إليه قال: ومثله قوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] . قلت: ليست هذه لغة العرب وحدهم، بل هذا مما اتفق عليه العقلاء. والاستطاعة في الشرع هي ما لا يحصل معه للمكلف ضرر راجح، كاستطاعة الصيام والقيام، فمتى كان يزيد في المرض أو يؤخر البرء لم يكن مستطيعًا؛ لأن في ذلك مضرة راجحة"مجموع الفتاوى 14/ 103.