يقول ابن عبد البر في معرض بيان وجه قول محمد بن مسلمة:"إن المتوضئ إذا أسقط من مسح رأسه ثلثه فما دون أجزأه ذلك ولا يجزئه إن كان المتروك من الرأس أكثر من ثلثه, وما ذكره إسماعيل عنه (يعني محمد بن مسلمة) يشبه أصول مالك في استدارة الثلث في مواضع كثيرة من كتبه وأصول مذاهبه وما زاد على الثلث عنده فكثير يراعى ذلك ويعتبره ولا يلغيه في شيء من مذاهبه فكأنه والله أعلم أنه لا يكاد أحد يسلم من أن يفوته الشيء اليسير من شعر رأسه عند مسحه بعد اجتهاد فجعل الثلث فما دونه في حكم ذلك وأجزأه عنده إذا أتى على مسح الثلثين فأكثر هذا وجه ما ذهب إليه محمد بن مسلمة وعزاه إلى مالك والله أعلم" [1] .
أما غير المالكية - فالذي يظهر - أن ما جاء في مذاهبهم من إعمال هذه القاعدة نزر وآت على غير المشهور فيها غالبًا وإن وقع التصريح من بعضهم بما يدل على أن اعتبار الثلث حدًا لليسير أصل سائغ شرعًا:
يقول ابن قدامة في معرض الاستدلال لما روي عن الإمام أحمد من أنه لا يوضع في الجائحة إلا الثلث وما زاد عنه, ولا يوضع أقل منه:"لا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت جائحة تعرف, الثلث أو الربع أو الخمس توضع, وفيه رواية أخرى أن ما كان بعد دون الثلث فهو ضمان المشتري وهو مذهب مالك و الشافعي في القديم لأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح ويسقط منها فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع منها الوصية وعطايا المريض وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث, قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة" [2] .
ويقول العبادي الزبيدي في الاستدلال لما روي عن أبي حنيفة من اعتبار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الكافي لابن عبد البر 1/ 169.
[2] المغني لابن قدامة 4/ 87.