بها سبيل الاحتياط [1] , علما بأن خطورة عدم مراعاة هذه القاعدة قد تكون أعظم. وقد تفطن إلى ذلك الإمام الجويني - رحمه الله - وحاول رسم حدود لتطبيقها بعد أن بيَّن بوضوح إشكاليتها حيث قال:"فالقول المجمل في ذلك أن الحرام إذا طبَّق الزمان وأهله, ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا, فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة, ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس, بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر. فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط الميتة لهلك, ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة, ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد. بل لو هلك واحد لم يؤد هلاكه إلى خرم الأمور الكلية الدنيوية والدينية, ولو تعدى الناس الحاجة لهلكوا بالمسلك الذي ذكرناه من عند آخرهم ... فإذا تقرر قطعًا أن المرعي الحاجة, فالحاجة لفظة مبهمة لا ينضبط فيها قول ... وخوف الروح ليس مشروطًا فيما نحن فيه كما يشترط في تفاصيل الشرع في الآحاد في إباحة الميتة وطعام الغير. وليس من الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة تضبطها ضبط التخصيص والتنصيص حتى تتميز تميز المسميات والملقبات بذكر أسمائها وألقابها, ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب ينبه على الغرض. فنقول: لسنا نعني بالحاجة تشوق الناس إلى الطعام وتشوفها إليه فرب مشتهٍ لشيء لا يضره الانكفاف عنه, فلا معتبر بالتشهي والتشوف فالمرعي إذا دفع الضِّرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم" [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] كما نبه إلى ذلك الدكتور علي الندوي حيث قال إنها أصبحت محل استغلال بل حجة في الخروج من الحرمة إلى الإباحة لدى كثير من المتفقهين المسايرين للتيارات المعاصرة. والواقع أنها لا تقوم مقام الضرورة إلا في حالات معينة؛ أما الاستناد إليها في تحليل المحرم دائما مع وجود بدائل شرعية أخرى يمكن الأخذ بها فليس من قبيل الأخذ بالتشريع المقر بل يكاد يكون نابعًا من اتباع الهوى وإرضاء النفوس المريضة؛ والانقياد مع نزوات النفس. انظر: موسوعة القواعد والقواعد الفقهية للدكتور علي الندوي 1/ 141.
[2] غياث الأمم للجويني 1/ 346.