فهرس الكتاب

الصفحة 3771 من 19081

ومجمل القول في معناها أن الناس وهم يتعاملون في حياتهم اليومية يتبادلون الملكيات سواء كانت أعيانا أو منافع عن طريق التعاقد, واستغناؤهم عن هذا ضرب من المحال, وهم مخاطبون شرعا بتحري القسط وتجنب البخس وتحقيق العدل بين الأثمان والمثمنات, لكن قد تتعذر المعادلة التامة أحيانا مع مساس حاجة الناس إلى التعاقد وتبادل الملكيات, فرخص رفعا للحرج في يسير الغرر.

فالناس مخاطبون بتحري العدل في تبادل الملكيات عند التعاقد, يدل على ذلك قول الله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة الأنعام الآية رقم (152) ] . وقوله تعالى: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} في الآية جملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل, للترخيص فيما خرج عن الطاقة, ولبيان قاعدة من قواعد الإسلام الرافعة للحرج وذلك لأن المبادلات المالية العقدية بين الناس لا يمكن أن تتحقق على وجه كامل من المساواة أو التعادل, فلا بد من تقبل اليسير من الغرر في هذا الجانب أو ذاك, وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز, وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين, ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه, والمقصود من هذا أن لا يترك الناس التعامل بينهم خشية الغرر اليسير, فيفضي ذلك إلى تعطيل منافع جمة. [1]

والغرر اليسير الذي يدفع بالحاجة الشديدة هو الذي لا تنفك منه التصرفات ونحوها ويكون شأن الناس التسامح فيه [2] فمجرد وجود الغرر ليس مبطلًا للتصرف, والمراد بالغرر فيما روي عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: (نهى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: الجامع لأحكام للقرطبي 7/ 136؛ تفسير البيضاوي 1/ 465؛ تفسير النسفي 1/ 352؛ التحرير والتنوير لابن عاشور 7/ 123؛ أضواء البيان للشنقيطي 1/ 547.

[2] انظر: المقدمات لابن رشد الجد 2/ 73؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت