وهذه القاعدة متعلقة بالحاجة الطارئة لا بالتي تنزلت منزلة الضرورة وأصبحت أصلا مستقلا.
وبيان ذلك:"أن ما شرع من الأحكام تخفيفًا وترخيصًا بسبب عذر طارئ - كسفر ومرض - فإنه يباح بقدر ما تندفع به الحاجة, وتزول الإباحة عند اندفاع الحاجة. أما ما شرع من الأحكام تسهيلًا وتيسيرًا لمصالح الناس وكان له صفة الاستمرار - كالإجارة والقرض والعرايا ونحوها [1] -فهو مباح للمحتاج وغير المحتاج, ولا يكون داخلا ضمن هذه القاعدة" [2] .
فشأن المعذور في ارتكاب مخالفة استثنائية ألا يتبسط فيها تبسطه في الحلال وأن يقتصر على محل الحاجة منها ما دام سبب العذر قائما وأن يقلع عنها عند زوال المشقة وارتفاع الحرج لأن"ما جاز لعذر بطل عند زواله" [3] . وقد عبر المقري عن هذا المعنى بقاعدة أعم دلالة من قاعدتنا وهي قوله:"إذا وجب مخالفة أصل أو قاعدة وجب تقليل المخالفة ما أمكن" [4] . وتعبير السبكي عنه أكثر عموما في قاعدته:"متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها" [5] .
وحدود تقدير الحاجة بقدرها قد تكون واضحة المعالم إذا تعلقت بأمر محسوس كالشفاء من المرض المبيح للفطر أو للطهارة الترابية [6] , وقد تكون موكولة للخبراء المختصين في موضوع الحاجة العارفين بما يكفي لسدها كأن يتعلق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] على ما هو مبين في قاعدة:"هل تتعدى الرخصة محلها؟"في قسم القواعد الفقهية.
[2] القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في فقه الأسرة لمحمد بن عبد الله الصواط 1/ 238.
[3] إيضاح القواعد الفقهية للحجي ص 71.
[4] القواعد للمقري 2/ 502.
[5] الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 45.
[6] أما المرض الموجب للفطر أو للتيمم فإن المشقة فيه تعتبر من باب الضرورات لا الحاجات. يقول الخرشي المالكي في شرحه مختصر خليل مبينا الفرق بينهما:"جاز الفطر بسبب مرض خاف زيادته ومنه حدوث علة أو تماديه بالصوم وبعبارة أخرى أي زيادة نوعه بأن تحدث له علة أخرى فإن خاف على نفسه الهلاك أو أن يلحقه مشقة عظيمة فإنه يجب عليه الإفطار لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن". شرح مختصر خليل للخرشي 2/ 261.