إلا أنه يلاحظ مع ذلك أن تأثير الشك عندهم في الصلاة قوي وهو في الحج أشد حيث إن الشاك في عدد الركعات في أثناء الصلاة إن كان أول أمره فسدت صلاته وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام, أما من شك في عدد أشواط طواف الركن أو العمرة قإنه يعيده ولا يبني على غالب ظنه بخلاف الصلاة, وقيل إذا كان يكثر منه ذلك يتحرى [1] .
فتأثير كثرة الشك عندهم في هاتين المسألتين لا يتعدى عدم فساد العبادة به, وخطابَ المبتلى به بالتحري في الأولى وبالإعادة في الثانية على المشهور والتحري فيها على مقابله.
أما الشافعية فالذي يظهر أن إعمال القاعدة قليل في كتب الفقه عنهم مع أن مقتضى صنيعهم تقرير اعتبارها كذلك؛ فقد ربطوا كثرة الشكوك بالوسوسة حيث حملوا - مثلًا - نهيه صلى الله عليه وسلم الشاك في الحدث عن أن يخرج من المسجد إلا أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا, على أن المراد منه النهي عن الأخذ بشك يؤدي إلى وسوسة وتشكك غالب [2] . وصرحوا بأن الوسواس القهري لا يؤاخذ به في الإيمان بالله, ولا في العبادات [3] , كما عللوا عدم تأثير الشك في الصلاة بعد السلام؛ بأن الظاهر وقوعه عن تمام؛ وبكونه لو اعتبر بعده لعسر الأمر لكثرة عروضه [4] , وهذا الاستدلال - وإن كان واردًا في الشك الواقع بعد تمام العبادة - فإنه لا يخفى ما فيه من التقرير بل التصريح بأن كثرة وقوع الشك عند الشافعية موجبة لإلغائه.
ويتحصل مما سبق أن الفقهاء اعتبروا كثرة وقوع الشك من وسوسة الشيطان والاسترسال فيه مدعاة لترسيخها فجعلوا إلغاءه وعدم الالتفات إليه أنجع دواء له.
ومجال تطبيق القاعدة يشمل العبادات والعادات وبعض المعاملات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: حاشية ابن عابدين 2/ 95.
[2] انظر: تحفة المنهاج لابن حجر الهيتمي 1/ 156.
[3] المنهج القويم لابن حجر الهيتمي 1/ 251.
[4] أسنى المطالب في شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري 1/ 192.