الحالة الثانية: أن يقتضي دفعه وقوع ضرر أخف منه وهذه الحالة أيضًا لا إشكال في لزوم دفع الضرر فيها ارتكابًا لأخف الضررين وهي المعبر عنها بقاعدة:"يدفع أعظم الضررين بأهونهما". ويمثلون لها بجواز إجراء الطبيب عملية جراحية لمريض لعلمه أن ضرر تلك العملية أخف من الضرر الذي يعاني منه المريض إذا هو لم يجرها.
الحالة الثالثة: أن يترتب على إزالة الضرر ضرر مثله فلا يجوز في هذه الحالة دفعه لأن درء المفسدة مشروط بأن لا يؤدي إلى مثلها أو أعظم منها. وهذه الحالة تمثل الشطر المنطوق من قاعدتنا المعبر عنه في بعض صيغها المتنوعة بقولهم: الضرر لا يزال بمثله بل يزال بلا ضرر [1] . ومثالها أن المضطر لقوته وقوت عياله في سنة مجاعة ليس له بذله لمضطرين سواه [2] .
الحالة الرابعة: أن تؤدي إزالة الضرر إلى وقوع ضرر أشد منه فلا يجوز دفعه أيضًا في هذه الحالة ارتكابًا لأخف الضررين من جهة ولكون درء المفسدة مشروطًا بأن لا يؤدي إلى أعظم منها. وهذا فحوى خطاب قاعدتنا لأن عدم قبول إزالة الضرر بمثله يقتضي من باب الأولى عدم قبول إزالته بما هو أشد منه. فلا يباح قتل المريض لإراحته من الآلام [3] لأن ضرر قتل النفس أشد من ضرر صبر المريض على الآلام.
وبناء على ذلك فإنه لا خلاف بين العلماء في وجوب إزالة الضرر إلا أنها إذا اقتضت وقوع ضرر آخر فإنه يلزم كما قال الشيخ زين الدين الكتاني: النظر لأخفهما, وأغلظهما [4] , ف"يدفع أعظم الضررين بأهونهما"لأن درء المفسدة مشروط بأن لا يؤدي إلى مثلها أو أعظم منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مرآة المجلة لمسعود أفندي 327.
[2] انظر: مطالب أولي النهى للرحيباني 3/ 65.
[3] انظر: الفتوى للملاح 2/ 843.
[4] المنثور للزركشي 3/ 386.