فهرس الكتاب

الصفحة 4137 من 19081

أو بعبارة أخرى: التصرف في حق الغير بغير إذنه, أو مجاوزة حد الشارع [1] .

ولفظ القاعدة خبر معناه النهي, ومفادها: أن من كان مظلومًا حقيقة - أو في ظنه هو - في أمر من الأمور فإنه ليس له أن يظلم غيره, ولا أن يستوفي حقه إلا ممن ظلمه؛ لأنه بظلمه لغيره يتعدى حد الشرع في دفع الظلم عنه, أو في الانتقام لنفسه, وينقلب من المظلوم إلى الظالم [2] , فكل تصرف من المظلوم من شأنه أن يؤدي إلى إلحاق الظلم بغيره فإنه منهي عنه, ويعتبر تصرفه ذلك ظلمًا واعتداءً في منظور الشرع.

فمن وقع عليه الظلم من غيره بالتصرف في حقه بغير إذنه, أو مجاوزة حد الشارع في معاملته أو عقوبته فإن له الحق في أن ينتصر لنفسه ممن ظلمه, بل له أن يدفع الظلم عن نفسه بكل ما يقدر عليه من الطرق الشرعية؛ فقد تقرر في الشريعة الإسلامية أن الكف عن الظلم واجب, وأن الظلم يجب دفعه بقدر الإمكان, ولا يحل تقريره بحال من الأحوال, ولذلك فدفعُ الظلم بالطرق الجائزة حق خوله الشرعُ المظلومَ , لكن ليس للمظلوم أن يظلم غيره, فكونه ظُلِم لا يعطيه الحق في أن يظلم غيره من الناس, كائنًا من كان, حتى ولو كان ظالمَه [3] ؛ فكما أن ظُلمَ الظالمِ لا يسوغ أن يُظْلَم هو, ولا أن يسلبه حقه في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: التعريفات للجرجاني ص 186؛ الكليات للكفوي، ص 594؛ موسوعة القواعد الفقهية 10/ 706.

[2] انظر: موسوعة القواعد الفقهية 10/ 706.

[3] قال الشيخ أحمد الزرقا - رحمه الله تعالى - موضحًا معنى هذه القاعدة:"وهو بإطلاقه شامل للظالم أيضًا، فليس للمظلوم أن يظلمه أصلًا، بل له أن يتخلص من ظلمه ويأخذ الحق منه ويسعى وراء ردعه عن الظلم بما يكفي رادعًا لأمثاله عن المعاودة، كما يعلم ذلك من مراجعة أحكام التعزير، أما ما زاد على ذلك فلا يجوز، قال الله تعالى:"ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق" [سورة الشورى: 41] . ولهذا لم يجوز الشرع لأحد الاعتداء على حق أحد ولو كان غاصبًا، فلو غصب أرضًا مثلًا وزرعها فجاء ربها، فإما أن يكون الزرع قد نبت أو لا، وإذا كان نبت فإما أن يكون قد استحصد أو لا، فإن كان نبت واستحصد فهو للغاصب، وللمالك أن يرجع بنقصان أرضه، وإن كان نبت ولم يستحصد فللمالك أن يأمر الغاصب بقلعه وتفريغ ملكه، فإن أبى يقلعه بنفسه أو يرفع الأمر للحاكم ليقلعه، وإن كان لم ينبت فالمالك مخير إن شاء تركها حتى ينبت فيأمره بقلعه وإن شاء أعطاه ما زاد البذر في الأرض فتقوم مبذورة ببذر يجب قلعه إذا نبت وتقوم غير مبذورة، فيعطى فصل ما بينهما؛ وهو الأصح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت