فهرس الكتاب

الصفحة 4219 من 19081

فهذه القاعدة قيد للقاعدة الكبرى"العادة محكمة", والقواعد المتفرعة عنها - كما سبقت الإشارة إليه -؛ لأن ظاهرها يفيد أنها مرعية مطلقًا, فجاءت هذه القاعدة تقيدها بأن العادة إنما تكون محكَّمة إذا اطردت أو غلبت , أما إن لم تكن غالبة فلا يعتد بها, ولا يلتفت إليها, فليس كل عادة صالحة لبناء الأحكام الفقهية عليها, ولا اعتبارِها دليلًا يُرجع إليها عند فقدان النص من كتاب أو سنة, أو عدم وجود الإجماع, بل من شروط اعتبار العادة أن تكون مطردة أو غالبة, فالعادة التي يُعمَل بها في وقت دون وقت لا تصلح أن تكون محكمة, وكذلك لا اعتبار لعادة يعمل بها قليل من الناس ولا يعمل بها أكثرهم.

والعبرة في اطراد العادة أو غلبتها بواقع الحال في العمل والتطبيق عند أهل العرف من البلاد أو الطوائف, ولا عبرة للشهرة في كتب الفقهاء , ولهذا قالوا: ينبغي على المفتي أن ينظر في عوائد بلد من يسأله, فيبني أحكامه عليها, لا على ما اشتهر في كتب المذاهب. وترك الناس للعادة في وقائع قليلة لا يؤثر في حجيتها ولا يقدح في اعتبارها, كما أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي _ رحمه الله تعالى _ بقوله:"إذا كانت العوائد معتبرة شرعًا, فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادةً على الجملة" [1] ؛ لأن من المقرر شرعًا أن"العبرة للغالب الشائع, لا للنادر" [2]

وبهذا الشرط- أي شرط الاطِّراد أو الغلبة كما تنص عليه القاعدة - يخرج العرف المضطرب, والعرف المشترك -وهو ما تساوى العمل به وتركه [3] - فإنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموافقات للشاطبي 2/ 288.

[2] المجلة - وشروحها -، المادة (41) .

[3] لا يخفي أن هناك عمومًا وخصوصًا مطلقًا بين العرف المضطرب والعرف المشترك، من حيث إن المشترك داخل في المضطرب. وقد يطلق العرف المشترك بمعناه اللغوي، فيكون المراد به العرف العام الذي يشترك أغلب الناس في العمل به، كما ورد كلام الإمام الحصيري - رحمه الله تعالى: إذ إن"العادة مشتركة يجب العمل بها". القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير للدكتور علي الندوي ص 479.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت