فهرس الكتاب

الصفحة 4276 من 19081

التأمل يتبين أن القولين لم يتواردا على محل واحد, فقاعدتنا تتعلق بضبط المقادير والصفات التي أطلقها الشارع, ولم يحدها بحد معين, مع وضوح معاني هذه الألفاظ في اللغة, كالنفقة والبيع والهبة, فمع اشتهار معانيها لم يضبطها الشارع بصفة معينة أو قدر معين, بخلاف ما يبحثه الأصوليون في باب الحقيقة بأنواعها الثلاثة: اللغوية والشرعية والعرفية؛ فمقصودهم: تقديم المعنى العرفي على اللغوي عند حصول التعارض بينهما؛ فلفظ"الغائط في اللغة: اسم للمكان المطمئن من الأرض في الفضاء, ثم اشتهر في نفس الخارج من الإنسان, وصار إطلاقه عليه حقيقة عرفية, والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية, فيحمل إطلاقه عليها" [1] . وهذا ما قرره السبكي بقوله:"فإن قلت: من المشهور على ألسنة الفقهاء: أن ما ليس له حد في الشرع, ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف, وهذا صريح في تأخير العرف عن اللغة, وقد قضيتم في الأصول بتقديمه, فهل هما متواردان على محل واحد حتى يلزم الاختلاف؟ , أو كيف الحال؟."

قلت: قال أبي [2] - رحمه الله - في"شرح المهذب": مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة. ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة, فإنما نرجع فيه إلى العرف, ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة, ولم يقولوا: ليس له معنى, فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا [3] على حده بما يبينه, فيستدل بالعرف عليه" [4] ."

والقاعدة محل اتفاق بين عامة الفقهاء, كما يتبين ذلك من ورودها بلفظها أو معناها في كتبهم, ولم نقف على خلاف فيها, ولا يؤثر في ذلك الاختلاف في بعض فروعها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حاشية السندي على صحيح البخاري 1/ 70. بتصرف يسير.

[2] والده هو: تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، من فقهاء الشافعية، توفي سنة: 756.

[3] هكذا في المطبوع، ولعل الصواب: لم ينص.

[4] رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لتاج الدين السبكي 3/ 410.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت