فهرس الكتاب
الناس, فكذلك الفعل المطلق ينصرف إلى المعتاد بينهم, فيكون مقيدًا بالعرف والعادة من حيث ترتب أثره الشرعي عليه.
وهذه القاعدة مع أنها لم تشتهر بلفظها في المصادر الفقهية, ولم نجد لها صيغة متنوعة - بعد البحث والتحري - غير أن معناها كان حاضرًا في أذهان الفقهاء والمجتهدين عند بيان الأحكام الشرعية, وقد اعتمدها جميع من اعتدوا بالعرف واعتبروه مؤثرًا شرعًا في تصرفات المكلفين؛ لكونها منبثقة من القاعدة الكبرى"العادة محكمة", فمن أخذ بأصلها أخذ بهذه تبعًا لها في الجملة.
و مع أن أبرز مجالات إعمال هذه القاعدة هو الفصل والقضاء في الدعاوى والنزاعات الدائرة بين الناس لكنها تجري أيضًا في سائر المعاملات, ومن أمثلة ذلك"عقود التعاطي التي أقر الفقهاء فيها انعقاد المعاوضات المالية بالقبض والدفع, دون إيجاب وقبول باللفظ؛ كما لو سأل راغب في الشراء صاحبَ البضاعة عن سعرها فبينه له, أو وجد سعرها مكتوبًا عليها [أو كان سعرها مشتهرًا ومستفيضًا] فدفعه له وأخذها ومضى, وكلاهما ساكت؛ فإن البيع ينعقد بينهما شرعًا. ومستند الفقهاء في ذلك هو العرف العام الذي يعتبر القبض بعد معرفة الثمن في قوة التعبير عن الإرادة بالإيجاب والقبول في عادة الناس" [1] .
و يشترط في إعمال هذه القاعدة الشروط العامة في اعتبار العرف والعادة, من أن تكون العادة مطردة أو غالبة , و أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائمًا عند إنشائه, وأن لا يعارض العرف تصريح بخلافه, غير شرط واحد, وهو أن لا تصادم العادة والعرف نصًا شرعيًا, فإن هذا الشرط غير معتبر في هذه القاعدة؛ لأنها تعني أن المرجع في تقييد الفعل المطلق وبيانه إلى العرف, سواء أكان هذا العرف عرفًا فاسدًا أو عرفًا معتبرا, ولذلك يجب على المكلف أن يقيد فعله - أو قوله - المطلق بالأمر المشروع والجائز إذا كان ثمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا 2/ 889.